أخبار وطنية

إينال… المقبرة التي تنتظر الحقيقة

مقال رأي صحفي – 

محمد عبدالرحمن ول عبدالله

كاتب صحفي ، أنواكشوط

 

في كل مرة يُذكر فيها اسم إينال، تنكمش الأرواح قبل الكلمات. ليس لأنه حدث من أحداث التاريخ البعيد، بل لأنه جرح مفتوح، ينزف في قلب كل موريتاني لم يفقد إنسانيته بعد.

منذ 28 نوفمبر 1990، والبلاد تحمل على كتفيها سردية مشوهة، حكاية تقال همسًا، وخوفًا، ودموعًا ابتلعتها الحناجر قبل أن تسقط على الأرض. أربعة وثلاثون عامًا مضت، لكن الظلال لا تزال ثقيلة، والذاكرة لا تزال معلّقة بين سؤالين: من قتل؟ ومن أمر؟

نحن لا نتحدث عن حادث أمني، ولا عن خطأ عابر في لحظة اضطراب سياسي. نحن أمام مجزرة مكتملة الأركان: عسكريون عُزّل، سُحبوا من ثكناتهم، قُيدوا، وأُعدموا بدم بارد فقط لأنهم ينتمون إلى لون آخر… إلى خلفية عرقية مختلفة، إلى هوية لم ترض عنها السلطة آنذاك.

لقد حاول البعض دفن الحكاية كما دفنوا أصحابها، لكن الأرض التي احتضنتهم لم تحتفظ بالصمت، بل احتفظت بالألم. والأمهات اللاتي ودّعن أبناءهن دون قبر ولا وداع، لم يستطعن ـ ولن يستطعن ـ أن يوقّعن على ورقة “نسيان” صادرة عن أي نظام.

كلما مرّ العيد الوطني، تذكّرنا أن يوم استقلالنا شهد عملية إعدام جماعي لجنود من نفس الجيش الذي يحتفل.
وكلما رُفع العلم، شعر البعض أنه يُرفع على أكفان لم تُعرَف أسماؤها بعد.

اليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، لم يعد الأمر يتعلق بالماضي فقط.
إنه يتعلق بـ مستقبل الدولة نفسها.
لا يمكن لوطن أن يُبنى على جرح يخشاه الجميع ولا يجرؤ أحد على تضميده.
ولا يمكن لأي مصالحة أن تكون حقيقية إن لم تُرفع العدالة إلى مستوى الدم المسفوح.

● نحن لا نطلب المستحيل.
نحن نطلب ـ فقط ـ ما يطلبه كل ضمير إنساني: الاعتراف، الحقيقة، والعدالة.

هل يعجز بلد يرفع شعار الديمقراطية عن تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق؟
هل نخشى من أسماء قد تكون في مواقع حساسة اليوم؟
هل نؤمن فعلاً بأن “طي الصفحة” يعني تمزيقها؟

إن المطالبة بفتح تحقيق دولي محايد ليست خيانة للوطن، بل دفاع عنه.
الوطن لا يَنهَض بإخفاء جرائمه، بل بمواجهتها.
الوطن لا يخجل من الماضي، بل يخجل من عدم الاعتراف به.

كل موريتاني يشعر بالخجل حين يُذكر ملف إينال…
ليس لأن الجريمة تمثله، بل لأنها ارتكبت باسمه، ومرّت أمام صمته، وبقيت بلا حساب.

أولئك الذين ماتوا فجر 28 نوفمبر كانوا موريتانيين، خدموا العلم، وارتدوا الزي العسكري، لكنهم لم يُمنحوا شرف العدالة حتى بعد موتهم.
فمن يمنحهم صوتًا اليوم؟ من يضع أسماءهم على شواهد؟ من يرد لهم إنسانيتهم المسلوبة؟

ربما لن يعودوا أبدًا، لكن بإمكاننا ـ إن أردنا حقًا ـ أن نعيد للبلد كرامته.

●  لا مصالحة بلا حقيقة.
●  لا وحدة بلا عدالة.
●  ولا شرف لدولة تخاف من مواجهة دمائها.

ربما تكون إينال مقبرة صامتة، لكنها ليست صامتة في قلوبنا.
وستظل كذلك… حتى تُفتح صناديق الحقيقة، ويُحاسب كل من لوّث يديه في تلك الليلة المروعة. فحياة الموريتانيين ليست رخيصة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى