صراع القبيلة والدولة : حين يعلو الانتماء على المواطنة

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
medabd388@gmail..com
ك صحفي ، وكاتب ، انواكشوط
منذ تأسيس الدولة الموريتانية مطلع ستينيات القرن الماضي، لم يغب الصراع بين منطق القبيلة ومنطق الدولة. فبينما كان الحلم بناء دولة حديثة تستند إلى القانون والمؤسسات، ظل الواقع محكومًا بأعراف الولاء والانتماء القبلي، حتى غدت الدولة ذاتها امتدادًا مموّهًا لسلطة القبيلة.
■ من السيبة إلى الجمهورية
تاريخيًا، نشأ المجتمع الموريتاني على قاعدة “السيبة”، أي غياب السلطة المركزية، حيث كانت القبائل تدير شؤونها وفق نظامها الخاص من الحماية، والتحالفات، والعُرف. ومع قيام الجمهورية سنة 1960، كان يُفترض أن تتراجع سلطة القبيلة لصالح الدولة الوطنية.
لكن ما حدث هو العكس؛ فقد حملت النخب التي تولت الحكم روح القبيلة إلى أجهزة الدولة، فتحولت الوزارات والإدارات إلى فضاءات لتقاسم النفوذ القبلي بدل بناء مؤسسات وطنية مستقلة.
■ القبيلة… الحاكم الخفي
في السياسة الموريتانية، لا تزال القبيلة الفاعل الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار.
ففي الانتخابات، لا تُقاس الشعبية بالبرامج، بل بعدد الخيام المنصوبة والولاءات المحشودة.
وفي التعيينات، يُراعى التوازن القبلي قبل الكفاءة.
حتى القضايا القانونية والإدارية كثيرًا ما تُحسم عبر وساطات شيوخ القبائل لا عبر مؤسسات العدالة.
لقد تحولت القبيلة إلى ما يشبه “الحزب الموازي” الذي يفرض شروطه على الدولة، ويدير خيوط العلاقات الاجتماعية والسياسية من خلف الستار. فالانتماء إلى قبيلة قوية يمنح الفرد فرصًا أوفر في الوظائف والصفقات والتمثيل، بينما يظل أبناء القبائل الصغيرة أو المهمشة خارج دائرة النفوذ.
■ الدولة في عباءة القبيلة
لم ينجُ أي نظام موريتاني من سطوة العصبية القبلية.
فالرئيس المختار ولد داداه حاول في البداية تأسيس دولة وطنية جامعة، لكنه اضطر لاحقًا إلى مراعاة التوازنات القبلية.
أما الأنظمة العسكرية اللاحقة، فقد استخدمت القبيلة أداة لضمان الولاء والسيطرة، فزرعت الانقسام بدل الوحدة، ورسّخت منطق “من معنا ومن ضدنا” على أسس انتمائية لا سياسية.
بهذا الشكل، أصبحت الدولة الحديثة واجهة شكلية لسلطة اجتماعية قديمة، وأضحت القبيلة هي “الدولة العميقة” التي لا يمكن تجاوزها دون تكلفة سياسية باهظة.
■ آثار الصراع
هيمنة الولاء القبلي على حساب الانتماء الوطني تركت آثارًا سلبية عميقة:
ضرب مبدأ تكافؤ الفرص داخل الإدارة والوظائف العمومية.
تعطيل مسار العدالة واستبداله بالوساطة والعُرف.
تراجع الوعي بالمواطنة لصالح الانتماء الضيق.
تغذية الانقسامات الجهوية والطبقية التي تُضعف تماسك المجتمع.
هذا الواقع جعل مفهوم “الدولة” هشًّا في أذهان كثير من المواطنين، إذ لا تزال القبيلة هي الملجأ الأول عند الحاجة، لا القانون ولا المؤسسة.
■ بوادر وعي جديد
رغم ذلك، بدأت بوادر التغيير تظهر في صفوف الجيل الشاب، خصوصًا في المدن والجامعات.
جيلٌ يرى أن الولاء للوطن أسمى من الولاء للقبيلة، وأن العدالة لا تُبنى على النسب، بل على الكفاءة والمساواة.
وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بدورها في تفكيك الهالة القبلية، وكشفت فساد “نظام المحاصصة” الذي يجعل الدولة غنيمة تُوزّع بين المجموعات.
■ الطريق نحو دولة المواطنة
بناء دولة وطنية حقيقية في موريتانيا يمر عبر إصلاحات عميقة، تبدأ من التعليم والإدارة وتنتهي بالإرادة السياسية، ومن أبرزها:
1. ترسيخ ثقافة المواطنة في المناهج والإعلام.
2. اعتماد الكفاءة معيارًا وحيدًا للتوظيف والترقية.
3. فصل النفوذ القبلي عن مؤسسات الدولة.
4. دعم المجتمع المدني والعدالة المستقلة كضامن للحقوق بعيدًا عن وساطات الأعراف.
■ خاتمة
القبيلة ليست عدو الدولة، لكنها تتحول إلى عائق حين تتجاوز دورها الاجتماعي لتصبح سلطة موازية.
أما الدولة، فلن تكون قوية إلا إذا استوعبت التنوع القبلي دون أن تخضع له.
فبين منطق “أنا من القبيلة” ومنطق “أنا من الوطن”، يتحدد مستقبل موريتانيا بين أن تبقى دولة عصبيات، أو أن تصبح دولة مواطنة وعدالة.







