تخليص الرئيس من قبضة المتنفذين… قراءة في صراع السلطة وتعقيداتها

■ مقال رأي تحليلي
محمدعبدالرحمن ول عبدالله
صحفي ، ومحلل سياسي
انواكشوط ، موريتانيا
تمرّ الدولة الموريتانية اليوم بمرحلة دقيقة تتشابك فيها المصالح والنفوذ والتحالفات الظرفية داخل هرم السلطة. وخلف المشهد الهادئ سياسيًا، تدور معركة حقيقية تتعلق بمن يمسك بخيوط القرار، وبأي ثمن يمكن إخراج الرئيس من دائرة السيطرة التي ضربها حوله المتنفذون على مدى سنوات.
الحلقة السابقة من هذه السلسلة لم تكن سوى فتحٍ أولي لملف معقد. ومع أن مرورها بسلام قد يبدو مطمئنًا، إلا أن الهدوء نفسه قد يكون فخًا؛ فخًا يجري فيه اختبار قدرة الساحة السياسية والإعلامية على تقبّل كشف ما يجري في الغرف المغلقة. غير أن الحاجة لقراءة الصورة بعمق تفرض نفسها كلما تكشفت خيوط جديدة.
● التقاء الخصمين: عندما تصنع الأقدار تحالفًا غير معلن
من المفارقات أن يجتمع في لحظة سياسية واحدة خصمان تاريخيان في هذه البلاد: حنن ، وولد أحويرثي. لم يجمعهما مشروع ولا رؤية، بل جمعهما هدف واحد: تضييق مساحة القرار حول الرئيس، ومحاولة إبقاء نفوذ ظلّهما ممتدًا فوق مؤسسات الدولة.
ليس التحالف منظّمًا، لكنه تناغم موضوعي لم يكن ليحدث لولا شعور الطرفين بأن الرئيس بدأ يبحث عن مساحة أوسع من استقلالية القرار، وهو ما يهدد نفوذًا مستقرًا منذ فترة طويلة.
● زيارة الشرق: حيث ظهر الصدع بوضوح
كانت الزيارة الأخيرة للرئيس إلى الشرق لحظة كاشفة. فقد بدا أنّ هناك من عمل بجدّ على تحجيم وزير الدفاع وتقليص مساحة تأثيره. فجأة وجد الوزير نفسه خارج دائرة النفوذ التي طالما اعتقد أنها محمية بثقة الرئيس وصداقتهما الطويلة.
ثم حدث ما هو أغرب: سفر الوزير إلى الإمارات لتمثيل البلاد بوفد لا يتجاوز ضابطًا واحدًا. خطوة بدت أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى إجراء بروتوكولي. وبعد ذلك، ولتدارك الحرج، جرى إرسال قائد القوات الجوية على عجل لإكمال الوفد… وهو ما أكد حجم التخبط داخل مؤسسة كان يفترض أنها الأكثر انضباطًا.
● سقوط “حصان طروادة”: خطأ حسابات الوزير
تصرف الوزير – الطموح، وكأنه محصّن بعلاقته الشخصية مع الرئيس. ظنّ أن العلاقة الروحية والإنسانية التي تجمعهما كفيلة بحمايته من الصدمات. لكن التاريخ السياسي، هنا وفي أي مكان، يقدم الدرس ذاته:
● لا أمان في السلطة.
فالرئيس غزواني نفسه كان أقرب المقربين من سلفه محمد ولد عبد العزيز، ومع ذلك تفككت تلك العلاقة بشكل دراماتيكي.
وفي المغرب، أنقذ أوفقير الملك من انقلاب الصخيرات، ثم حاول الانقلاب عليه في العام التالي.
والدليمي الذي أصبح رجل القصر القوي انتهت مسيرته في حادث غامض.
كلها رسائل ينبغي أن يفهم منها الوزير – المتنفذ أن السياسة لا تحكمها الصداقات، بل موازين القوة وتغيّر الظروف.
● بعد خروج الوزير من “سماء التأثير”… من التالي؟
يشير ما حدث إلى أنّ الرئيس بدأ فعلاً محاولة التحرر من حلقات النفوذ التي تسيطر على محيطه. لكن خروج الوزير ليس النهاية. فالسؤال الأهم اليوم:
● من سيكون الضحية التالية في هذه المعركة؟
هل هو مولاي ولد محمد لغظف؟
أم أن الثنائي المتنفذ الذي لعب دورًا في إضعاف الوزير بات يعتقد أن لحظة التصادم بينهما قد اقتربت، بعد أن خلت السماء من النجوم واشتد الصراع بين “الحلقتين” الأقوى قربًا من القرار؟
●خلاصة تحليلية
المشهد السياسي اليوم يشير إلى محاولة جادة من الرئيس للتخلص من تأثير رفاقه، واستعادة زمام السيطرة على مؤسسات الدولة، والتخلص تدريجيًا من قبضة المتنفذين الذين ظلوا يحددون مساره ويضيقون دائرة قراره.
لكن هذا المسار محفوف بالمخاطر.
فالصراع داخل السلطة ليس صراعًا إداريًا ولا فنيًا، بل معركة وجود بين من يرى الدولة فرصة للنفوذ وبين رئيس بدأ يشعر بثقل القيود التي تحيط به.
وما بين شدّ وجذب، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيتمكن الرئيس فعلاً من التحرر من قبضة المتنفذين؟
أم أن المنظومة أعمق من أن تُهزَّ بقرارٍ هنا أو حركةٍ هناك؟







