مقابلات وتحقيقات

المنكب البرزخي… التاريخ المخفي وصناعة الأنساب: قراءة موسعة في الهجرات وسيكولوجيا الشرف

تحقيق إجتماعي موسع
إعداد : محمد عبد الرحمن ولد عبد الله

صحفي إجتماعي وحقوقي  

انواكشوط، موريتانيا 🇲🇷

 

● مقدمة: بين الرواية والوثيقة

يشكّل موضوع الأنساب في موريتانيا — أو ما كان يسمى قديمًا بـ المنكب البرزخي — واحدًا من أكثر الملفات التاريخية تعقيدًا وتشابكًا. فمعظم ما يُتداول اليوم من نسبٍ عربي أو حسني أو علوي، يعتمد على روايات شفهية متأخرة لا تسندها مخطوطات موثوقة ولا دلائل أركيولوجية كافية. وقد عبّر الشيخ محمد المامي بدقة نادرة عن طبيعة هذا الفضاء حين سمّاه “المنكب البرزخي”، أي منطقة انتقال وتحول، حيث تختلط المسارات ويضيع اليقين.

بين دفاتر التاريخ الضائعة، وقرون مجهولة لم تحفظها الكتابة، نشأت سرديات نسبية مرنة، تعيد كل جماعة تشكيل نفسها وفق حاجاتها السياسية والاجتماعية. وهنا تكمن أهمية إعادة فحص التاريخ، بعيدًا عن القداسة الوهمية التي أُضفيت عليه من طرف البعض.، وبمنهجية علمية تفكّك الظاهرة وتعيد تركيبها.


أولًا: خريطة زمنية للهجرات في المنكب البرزخي

تاريخ موريتانيا هو تاريخ تدافع للهجرات أكثر منه تاريخ “سكان أصليين” بحدود واضحة. ويمكن تلخيص المسار الزمني للهجرات الكبرى كما يلي:


1. الهجرات الزنجية الأولى (قبل الميلاد – القرن السابع الميلادي)

  • تشكلت في الشمال الموريتاني مجموعات صنهاجية مبكرة، ذات امتداد أمازيغي–صحراوي.
  • تداخلت هذه المجموعات مع موجات من شعوب السافانا جنوبًا، في فضاء مفتوح بلا حدود سياسية.

2. تشكّل الصنهاجة الكبرى (القرون 4–10 م)

برزت الكتامة واللمتونة ومسوفة وجدالة كقوة مهيمنة.
كان الطابع الثقافي–اللغوي أمازيغيًا خالصًا، مع وجود رواسب حامية وسودانية.

ملاحظة تاريخية مهمة:
لا توجد أي دلائل مكتوبة تشير إلى وجود عرب في المنكب قبل القرن الحادي عشر.


3. هجرة المرابطين (القرن 11 م)

  • تحركت القبائل الصنهاجية بقيادة يوسف بن تاشفين لتأسيس دولة المرابطين.
  • أدى ذلك لفراغات سكانية أعادت تشكيل مراكز القوة في موريتانيا.
  • بقيت الصبغة الأمازيغية هي الطاغية على المجتمع.

4. دخول العرب: الحركة الهلالية (القرون 12–14 م)

هنا يبدأ التحوّل الجذري:

  • دخول المجموعات العربية من بني معقل والحسن والأشراف.
  • تفاعلها التدريجي مع المجموعات الأمازيغية.
  • تحوّل لغوي وثقافي طويل استمر ثلاثة قرون قبل أن يتحول المنكب إلى فضاء عربي اللسان.

5. القرون المظلمة (15–18 م)

وهي الفترة التي يصفها المؤرخون بأنها:

“الزمن المفقود من تاريخ المنكب البرزخي”.

لم تُدوّن خلالها سجلات ثابتة، وانتشرت الحروب الداخلية، وظهرت “السيبة” والغزو والنهب، مما أدى إلى:

  • إعادة تركيب الهويات القبلية،
  • ظهور شرفاء ومجموعات عربية “جديدة”،
  • اختفاء قبائل أخرى.

هذه الفترة تمثل المختبر الحقيقي لصناعة الأنساب.


6. المرحلة القبلية الكلاسيكية (القرون 18–20)

استقرت التركيبة الاجتماعية المعروفة اليوم:

  • الزوايا
  • لحراطين
  • البيظان المحاربون
  • الشرفاء
  • المجموعات الزنجية، والبافورية

وتبلورت روايات النسب — بما فيها الانتساب للدوحة الشريفة — كشكل من أشكال “التسليح الرمزي”.


ثانيًا: لماذا تضخّم الانتساب للدوحة الشريفة؟

يمكن تفسير الظاهرة عبر ثلاثة مستويات متشابكة:


1. عوامل خارجية: الامتيازات الدينية والاقتصادية

  • كان للشرافة في المغرب والأندلس والمشرق مكانة سياسية ودينية تؤهلهم لمنحٍ مالية.
  • وجود أوقاف خاصة بالشرفاء في الحرمين شجّع موجات من الادعاء بالنسب لطلب الامتياز.

كان ذلك في زمن لا يملك فيه الناس وثائق، ولا سلطات قادرة على التحقيق. وبالتالي:

من إعلان الشرف يبدأ الامتياز… لا من إثباته.


2. عوامل داخلية: صناعة الردع ومنح الحصانة

في مجتمع تحكمه الغزوات، كان الانتساب للدوحة الشريفة:

  • درعًا يحمي من الاعتداء،
  • و“رأسمالًا رمزيًا” يوفر الاحترام،
  • وطريقة لكسر سطوة القبائل المحاربة.

على سبيل المثال:

كان من يُعرف بأنه “شريف” يُستثنى كثيرًا من الغزو أو السبي.


3. العامل النفسي–الثقافي: سيكولوجيا الهروب من الأصل الأمازيغي

ترسخت — بفعل قرون من التفاعل الثقافي — نظرة دونية للانتماء الأمازيغي المحلي، مما ولد رغبة جماعية في “القفز فوق الأصل”، عبر الادعاء بالعروبة أو الشرف.

هذه الظاهرة تُعرف في علم النفس الاجتماعي باسم:
“الترقية الرمزية” (Symbolic Upgrading)

حيث يسعى الفرد أو القبيلة للانتماء إلى أصل “أعلى مكانة” لتجاوز واقعها.


ثالثًا: سيكولوجيا الشرف في المجتمع الموريتاني

1. الشرف كعملة اجتماعية

في مجتمع البداوة، حيث:

  • لا دولة،
  • ولا قانون،
  • ولا مؤسسات،
    تحوّل الشرف إلى عملة التبادل في العلاقات الاجتماعية والسياسية.

2. الشرف كوسيلة للردع

يدخل هنا دور “الشرف الشريف”:

  • يمنع الاعتداء،
  • يرفع المقام،
  • يخلق هيبة معنوية.

ولهذا كان كثيرون يبحثون عن نسب يمنحهم هذه الحصانة.


3. الشرف كتعويض نفسي

القبيلة التي فقدت نفوذًا، أو تعرضت للهزيمة، قد تبحث عن “شرف” أعلى لتستعيد مكانتها الرمزية في المجتمع ،وخلق رمزية جديدة .
وهكذا يصبح الشرف ميكانيزم دفاعيًا ضد الشعور بالنقص أو الهامشية والدونية.


● خلاصة التحقيق

ليس من مهمة الباحث اليوم أن ينفي أو يثبت أنسابًا عمرها قرون، لكن من واجبه:

  • تحليل العوامل التي صنعتها،
  • كشف الفراغات الزمنية التي سمحت بانتشارها،
  • وقراءة الهجرات التي أعادت تشكيل هذا الفضاء.

المنكب البرزخي لم يكن يومًا أرض نسب ثابت، بل معبرًا لتفاعل الهويات.
أما الانتساب إلى الدوحة الشريفة — في معظمه — فكان نتيجة لسياقات سياسية ونفسية واقتصادية، لا لتاريخ موثوق.

وما لم يُفتح النقاش حول هذا الملف بجرأة علمية، سيظل التاريخ محكومًا بسرديات محفوظة، لا بوثائق ثابتة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى