مقابلات وتحقيقات

بناهي ولد سيدي… المقاوم الذي أرّق الإدارة الفرنسية

    تحقيق صحفي : 

 

إعداد: محمد عبد الرحمن ولد عبد الله

          صحفي إجتماعي وحقوقي 

على امتداد العقد الأول من القرن العشرين، كانت الإدارة الاستعمارية الفرنسية تكتب تقارير متوترة عن “عناصر مشاغِبة” في عمق الصحراء، وتبحث عن رجال يحرّضون القبائل ويزوّدون المقاتلين بالسلاح. وفي قلب تلك التقارير، يتكرر اسم واحد:
Bannahey Ould Sidi
كما كانوا يكتبونه في مراسلاتهم.

هذا التحقيق يعود إلى تلك المراسلات، إلى تقارير الضباط الفرنسيين في تكانت وولاتة وكُومْبي صالِح، وإلى أرشيف اعتقالات “دابو” في ساحل العاج، ليعيد تركيب قصة رجل قاوم في الميدان، ثم قاوم صامتاً خلف قضبان النفي.


الفصل الأول: جذور البطل… ميلاد رجل من قبيلة تعرف طريق الصمود

ولد بناهي ولد سيدي ولد محمد الراظي في مجتمع عرف بالعلم والجهاد،تربي وترعرع علي تلك القيم الأصيلة في وسطه الإجتماعي أهل سيدي محمود، مجموعة  اشتهرت بالعلم والبطولات ، وكانت جزءاً من شبكة مقاومة اجتماعية قاومت النفوذ الأجنبي قبل دخوله العسكري.
منذ شبابه، كان معروفاً بالاعتداد بالنفس، وقوة الشخصية، والقدرة على القيادة. وهذه الصفات ستجعل اسمه لاحقاً هدفاً واضحاً في تقارير المستعمر.حيث خاض عدة معارك بطولية ضد القوات الفرنسية في عدة مناطق في موريتانيا .


الفصل الثاني: النيملان 1906… شرارة تحت وابل الرصاص

في 25 أكتوبر 1906، شهدت منطقة النيملان واحدة من أشهر العمليات العسكرية ضد الفرنسيين.
كانت تقارير الضباط الفرنسيين تصف ما حدث بأنه:

“هجوم شديد عند الفجر… القوات واجهت مقاومة منظمة من رجال مسلحين جيداً يعرفون طبيعة الأرض”
(من تقرير ضابط المقيم في تكانت – محفوظ بأرشيف AOF)

ظهر اسم بناهي بين المقاتلين الذين شاركوا في هذا اليوم. ومن هنا بدأت السلطات الاستعمارية تتعقبه كـ”مقاتل عالي الخطورة”.


الفصل الثالث: “تسوحيلة”… الطريق إلى الشيخ ماء العينين

بعد المعركة،البطولية  غادر بناهي رفقة ابن أخته سيد المختار ولد محمد محمود مع  في رحلة شاقة تعرف محلياً بـ”تسوحيلة” مع مجموعة من رفاقهم نحو الشيخ ماء العينين في الشمال، بحثاً عن السلاح.

وتؤكد إحدى المراسلات الفرنسية القادمة من مكتب الاستخبارات في أطار سنة 1907:

“لدينا معلومات عن عنصرين من أتباع مقاومة النيملان توجها شمالاً على أمل التزوّد بالسلاح من الشيخ Ma El Aïnin.”

لكن الخلاف في طريقة العمل مع الشيخ دفعهما للعودة. وفي الطريق، توفي سيد المختار بسبب الجدري قرب ودان، بينما عاد بناهي وحيداً إلى مضارب قومه.


الفصل الرابع: 15 يوليو 1907… يوم سقط الصقر

في منتصف يوليو 1907، اعتُقل بناهي في تكانت. وتشير وثيقة فرنسية من مركز تجمّع القوات في كيفة – كيفة آنذاك تابعة لمجال تكانت العسكري إلى:

“تم القبض على Bannahey Ould Sidi، المعروف بنشاطه العدائي، وهو في الأربعينات من عمره، تقريباً. يعد من أخطر المحرضين على العصيان.”
(مراسلة داخلية – 17 يوليو 1907 – محفوظة في أرشيف القوات الاستعمارية)

لم ترغب فرنسا بمحاكمته محلياً خوفاً من إثارة قبيلته وتعاطفها معه ، فصدرت توصية بنقله إلى إحدى نقاط الاعتقال في غرب إفريقيا الفرنسية.


الفصل الخامس: دابو… منفًى بلا عودة

وصل بناهي إلى مدينة دابو (Dabou) في ساحل العاج، أحد أهم مراكز الاعتقال التابعة للإدارة الاستعمارية في الفترة 1900–1920، حيث كان يُحتجز المقاومون القادمون من موريتانيا والسنغال وغينيا.

تقارير هذا السجن تذكر غالباً حالات اعتقال مشابهة، مثل هذا المقتطف من سنة 1909، النموذجي لطبيعة التصنيف:

“سكان الصحراء من موريتانيا يتمتعون بقوة بدنية كبيرة، ويتحلون بصبر غير مألوف. لا يبدون ندمًا على عصيانهم.”

المراسلة نفسها تشير إلى توقّعات الإدارة بـ”صعوبة إعادة دمج أمثالهم”.

لبث بناهي في دابو سبع سنوات كاملة، كان فيها مقاوماً شجاعا . ومع حلول عام 1915، توفي الرجل في السجن، ليُدفن هناك بعيداً عن الأهل والوطن.

اليوم، يوجد ضريحه في دابو، شاهداً على مسار انتهى، لكنه لم يُنسَ.


الفصل السادس: الابن الذي حمل البندقية… سيدي ولد بناهي

بعد استشهاد بناهي، واصل ابنه سيدي ولد بناهي المقاومة ضد الفرنسيين لسنوات.
وكان أسلوبه يقوم على ما يُعرف محلياً بـ”اتْكِدِّيْ“، أي الاحتماء بالكهوف داخل الجبال وجعلها قواعد للعمليات.

أهم قواعده:

  • كلب ولد بناهي – قرب أفل
  • كنتور اشهيب – منطقة اركِيبة

ومنها شنّ عمليات مباغتة ضد القوات الفرنسية، مما اضطر الإدارة إلى تخصيص فرق مطاردة في تكانت ولبراكنه.

وتذكر إحدى المراسلات الفرنسية (1917) صياغة مشابهة للوصف التالي:

“ابن الموقوف المسمى Bannahey Ould Sidi يقود مجموعة خطيرة  تتحرك بمهارة في المناطق الجبلية، وتستغل طبيعة الأرض لمهاجمة دورياتنا.”


الفصل السابع: ماذا تقول الوثائق التي لم تُنشر؟

تُظهر أرشيفات AOF (Afrique Occidentale Française) أن سياسة فرنسا بعد 1906 كانت مركزة على:

  1. اعتقال القيادات المحلية لا قتلها
    خوفاً من خلق رموز جديدة للمقاومة.
  2. إبعادهم إلى نقاط بعيدة
    مثل دابو، تابو، وغورغو في السنغال.
  3. فصلهم عن قبائلهم
    لتفكيك البنية الاجتماعية للمقاومة.

وكان بناهي أحد أبرز من طبّقت عليهم هذه السياسة.


●  بطلٌ يخرج من الوثائق لا من الأسطورة

تكشف المراسلات الفرنسية – رغم تحيزها – أن بناهي كان:

  • مقاوماً منظماً لا “فوضوياً” كما حاولت بعض الوثائق وصفه
  • خطراً على المشروع الاستعماري
  • محبوباً ومؤثراً في محيطه الإجتماعي
  • ذا قدرة قيادية واضحة
  • صلباً حتى في المعتقل

ورغم أن كثيراً من سيرته ضاع لغياب التدوين، فإن الوثائق الاستعمارية تكمل جزءاً من الصورة، لتؤكد أن الرجل لم يكن مجرد اسم في ذاكرة القبائل، بل رقماً صعباً في حسابات الاحتلال الفرنسي.

رحمه الله وأسكنه أعلي درجات الجنان.

زر الذهاب إلى الأعلى