مقابلات وتحقيقات

صفقة تراضٍ بالملايين… كيف تحوّلت أجهزة إنقاذ الأرواح إلى حلبة صراع بين نافذين؟

            تحقيق صحفي  إعداد:

          محمد عبد الرحمن ولد عبد الله

          ▪︎ صحفي اجتماعي وحقوقي

 

على مدى عام كامل، ظلت المستشفيات الموريتانية تنتظر أجهزة طبية كان من المفترض أن تُحدث فرقًا في حياة آلاف المرضى. أجهزة للكشف المبكر، وأخرى للتشخيص الدقيق، وثالثة لوحدات علاج الأورام… لكن كل ذلك بقي حبرًا على ورق.
والسبب: صفقة تراضٍ غامضة تنقّلت بين وزراء ووسطاء وضباط وقادة شركات من السنغال والمغرب، في واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة.

تحقيقنا هذا يستند إلى وثائق رسمية، ومصادر داخلية، ويكشف سلسلة من الاختلالات القانونية، والقرارات المتضاربة، وتدخلات نافذين، أدت إلى شلل مشروع صحي حيوي، وتسبّبت في تجميد معدات كان يمكنها إنقاذ أرواح.خلال سنة من الإنتظار والمعانات.

● القصة من البداية: وزارة الصحة تتنازل… والجيش يتقدم

تعود بداية الملف إلى إجراء  غامض من وزارة الصحة يقضي بالتنازل عن صفقة توريد أجهزة طبية لصالح قيادة أركان الجيش. رغم أن الصفقة خاصة بمراكز ومستشفيات مدنية، إلا أنها أُدرجت تحت مظلة المؤسسة العسكرية، بعيدًا عن مساطر الشفافية المعمول بها في القطاع الصحي.

لا توجد وثائق – وفق ما اطلع عليه التحقيق – تبرر إحالة الصفقة للجيش، ولا أي معايير قانونية محددة لمثل هذا الإجراء.

● تفاصيل مخالِفة للقانون: التراضي بدل المناقصة!

القانون الموريتاني يمنع اللجوء إلى التراضي إلا في ظروف استثنائية محددة:

  • كارثة طبيعية
  • احتكار تقني
  • عقود داخلية بين مؤسسات حكومية
  • طابع استراتيجي أو سري يتعلق بالأمن القومي

ولا ينطبق أي من هذه البنود على أجهزة طبية مدنية، إلا بقرار خاص من مجلس الوزراء… وهو ما لم يحدث.

مع ذلك، تم منح الصفقة مرتين متتاليتين عبر التراضي:

  1. لشركة Fortunes Capital السنغالية
  2. ثم لشركة T2S المغربية

وبين المنح الأول والثاني، كانت الفوضى والقرارات المتناقضة هي العنوان الأبرز.

● الصفقة الأولى: 5.2 مليون يورو… ثم ملحق يرفعها فوق 8 ملايين

في 31 ديسمبر 2024، وقّعت قيادة أركان الجيش صفقة مع الشركة السنغالية Fortunes Capital بقيمة:

5.194.800 يورو

بعد أربعة أشهر فقط، عادت قيادة  الجيش لتوقع ملحقًا رقم 033 يرفع المبلغ بـ:

2.985.248 يورو

ليصل الإجمالي إلى:

8.180.048 يورو
(حوالي 3.2 مليار أوقية قديمة)

زيادة تطرح أسئلة قاسية:
– ما الذي تغيّر خلال 4 أشهر فقط؟
– ولماذا لم تُطرح مناقصة جديدة بدل تضخيم المبلغ بالتراضي؟
– ومن المستفيد من هذا الفارق الضخم؟

● دفعة مشبوهة: 80% من المبلغ ثم تراجع خلال أسبوع

يوم 23 يوليو 2025، حوّل الجيش 1.88 مليار أوقية (قرابة 4 ملايين يورو) إلى حساب الشركة السنغالية، أي 80% من قيمة العقد، رغم أن الاتفاق ينص على دفع 50% فقط في البداية.

بعد أسبوع واحد فقط، يطلب الجيش استعادة المبلغ.
المبرر؟ “السداد تم بالعملة الخطأ”.

تبرير مثير للشك؛ فالجهة التي تدفع عبر البنك المركزي لا يمكن أن تخطئ في العملة عن طريق الصدفة.

● إلغاء الصفقة دون عقوبات… رغم المخالفة

القانون يفرض على الدولة:

  • سحب الضمان البنكي
  • فرض غرامات التأخير
  • تحرير تقرير مخالفة

لكن لا شيء من ذلك حدث.
تم فسخ الصفقة دون أي عقوبة على الشركة السنغالية.

مسؤول في Fortunes Capital قال للمصدر إن شركته كانت قد بدأت التنفيذ فعليًا وتعاقدت مع مورّدين دوليين، قبل أن تُسحب منها الصفقة.

وفق المصدر السنغالي، فإن إسلمو ولد الغزواني – أخ الرئيس الحالي – لعب دورًا في حصول الشركة على الصفقة، وأن عمولته بلغت:

200 ألف يورو

وأضاف المصدر أن الرئيس كان على علم بنزع الصفقة من الشركة السنغالية ومنحها لشركة مغربية، دون أن يتدخل

● الصفقة الثانية: دخول شركة مغربية… وأجهزة أقل جودة

بينما كانت الصفقة الأولى ما تزال سارية، كانت شركة T2S المغربية تتفاوض خلف الكواليس مع مسؤولين في الصحة والجيش.

بعض المعلومات التي حصل عليها التحقيق تؤكد:

  • لقاءات بين الشركة ومسؤولين بوزارة الصحة
  • دعم احد الضباط، للشركة المغربية
  • لقاء رئيس الشركة مع وزير الصحة ومديرة مركز الأنكولوجيا البروفيسيرة بنينة بنت زين
  • تجاهل تام لوجود عقد سابق مع الشركة السنغالية

وبعد تحركات مكثفة، وقع الجيش الصفقة مع الشركة المغربية بقيمة:

5.193.000 يورو

وهو مبلغ أقل من الصفقة السنغالية الأصلية، وأقل بكثير من السعر الذي وصل بعد الملحق (فارق يقارب 3 ملايين يورو).

لكن الأهم:
الشركة المغربية ستورد أجهزة صينية أقل جودة، بينما كانت الصفقة السنغالية تعتمد على أجهزة أوروبية.

كما اشترطت الشركة المغربية الدفع الكامل مقدمًا، وذالك مخالف للقانون ،وخلافا  للصفقة الأولى التي كانت على دفعتين.

أسئلة تلاحق وزارتي الصحة ،والدفاع … وإجابات غائبة

بعد عام من التخبط والتجاذب بين الأطراف، تظل الأسئلة الجوهرية دون إجابة:

1. لماذا مُنحت الصفقة لوزارة الدفاع  بدل وزارة الصحة؟

وما هو الأساس القانوني لذلك؟

2. لماذاصفقة تراضٍ مرتين؟

ولماذا رفضت الجهات عرض منافسة مفتوحة توفر الشفافية والجودة المطلوبة ؟

3. من استفاد من الفارق الذي يقارب 3 ملايين يورو؟

4. لماذا تأخر دفع الدفعة الأولى للشركة السنغالية سبعة أشهر؟

ثم دُفعت 80% بدل 50%؟

5. لماذا ألغي العقد دون عقوبة؟

ومن أعطى تعليمات بذلك؟

6. لماذا وافقت وزارة الدفاع  على الدفع الكامل للشركة المغربية مقدمًا؟

في مخالفة صريحة لقواعد الصفقات العمومية؟

● ضحايا بلا صوت: أنين المرضى 

بين اختلالات القانون، وتضارب المصالح، وصراع النفوذ، والعمولات التي تتطاير في الكواليس، يقف المرضى وحدهم في الصف:

  • مرضى السرطان الذين ينتظرون أجهزة حديثة
  • أطفال بحاجة إلى تشخيص مبكر
  • مستشفيات بعض خدماتها متوقفة بسبب نقص المعدات

عام كامل ضاع…
ولا تزال الأجهزة في مكان غير معلوم.
ولا تزال الصفقة تائهة بين جيوب المتنفذين، بدل أن تكون في غرف المرضى.

● خلاصة التحقيق

صفقة التراضي هذه ليست مجرد خلل إداري؛
إنها صورة مكثفة لواقع من الفوضى المؤسسية، والهيمنة غير القانونية، وغياب الرقابة، وتضارب المصالح وصولة المتنفذين .

وما لم يحدث تحقيق قضائي مستقل، ومساءلة شفافة، فإن هذا الملف سيظلّ شاهدًا على:

صفقة تراضٍ بالملايين… كيف تحوّلت أجهزة إنقاذ الأرواح إلى حلبة صراع بين نافذين؟

زر الذهاب إلى الأعلى