مقابلات وتحقيقات

12/12… الانقلاب الذي غيّر وجه الدولة: كيف أسّس ولد الطايع عهد الفساد وانهيار المنظومة الديمقراطية والحقوق؟

تقريرصحفي :

محمدعبدالرحمن ول عبدالله

▪︎ صحفي إجتماعي ، أنواكشوط

 

في مثل هذا اليوم، قبل عقود، استيقظت موريتانيا على انقلاب أنهى حقبة وفتح بوابات أخرى من الأسوأ. الانقلاب الذي نفّذه العقيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع قائد  أركان الجيش ،ضد الرئيس المقدم  محمد خونا ولد هيداله، بينما كان يحضر القمة الإفريقية في بوجمبورا، لم يكن مجرد انتقال في السلطة؛ كان لحظة مفصلية دشّنت ربع قرن من تفكك الدولة المدنية، وتوطين الفساد المؤسسي، وترسيخ العلاقات الزبونية والجهوية على حساب الدولة والقانون.

ولد الطايع، قائد الأركان آنذاك، دخل القصر بالقوة يدعم فرنسي تحت لافتة «لجنة الخلاص الوطني»، وهي اللجنة التي أعلن عنها فور نجاح الانقلاب، وضمت في تشكيلتها العشرات من الضباط، بينهم:

  • العقيد يال عبد الله
  • العقيد الشيخ ولد بيده
  • العقيد أحمد ولد عبد الله
  • المقدم مولاي ولد بوخريص
  • المقدم آن آمادو بابالي
  • المقدم إبراهيم ولد علي انجاي
  • المقدم محمد سيدينا ولد سيديا
  • المقدم جبريل سيمبير
  • المقدم ديالو محمد
  • المقدم سيدي ولد محمد الأمين
  • المقدم أحمد ولد منيه
  • الرائد الشيخ سيد أحمد ولد بابا مين
  • الرائد أحمد ولد عيده
  • الرائد محمد ولد لكحل
  • الرائد تماني سيدي بي
  • الرائد سيد أحمد ولد أبيليل
  • الرائد محمد محمود ولد الديه
  • النقيب محمد الأمين ولد انجيان
  • النقيب جدو ولد حكي
  • النقيب ديوب جبريل أمادو
  • النقيب انياننغ هارونا
  • النقيب اعل ولد محمد فال

غير أنّ اللجنة التي رفعت شعار “الخلاص” لم تجلب للبلد إلا المزيد من الفساد الاقتصادي والإجتماعي والانغلاق السياسي.

● انتخابات بلا ثقة… صناديق تحت السلطة

طوال فترة حكم ولد الطايع، لم تكن الانتخابات سوى واجهة ديمقراطية مزيفة:
صناديق لا تُفتح إلا بعد أن تُحسم نتائجها في المكاتب المغلقة، ولجان انتخابية لا ترى النور إلا بأوامر السلطة، ومعارضة مُحاصرة، وإعلام رسمي يتحرك كذراع دعائي للنظام.

تقارير حقوقية عديدة وصفت الانتخابات في تلك الفترة بأنها:
“عمليات تجميل سياسي لسلطة عسكرية تقدّم نفسها بزي مدني”.

فمفهوم التعددية السياسية أُفرغ من مضمونه، بينما بقيت القوة الأمنية والعسكرية هي الحاكم الفعلي. و كانت الولاءات القبلية والجهوية معياراً أساسياً في التعيين والترقية والحصول علي الصفقات .

● الفساد الاقتصادي…ميزانيات  تُنهب بلا محاسبة 

 

لم يشهد تاريخ موريتانيا فترة تآكل فيها الاقتصاد العام مثل فترة ولد الطايع، حيث:

  • انتشرت شبكات نهب الثروات والميزانيات.
  • احتكرت “الدائرة الضيقة” حول الرئيس الموارد الاقتصادية والمالية  للدولة.
  • تضخمت ثروات بعض المسؤولين ورجال الأعمال ،بشكل غير مفهوم مقارنة بدخولهم الرسمية.
  • تمت تصفية قطاعات اقتصادية وإعادة هيكلتها بما يخدم مصالح نافذين.
  • التنازل عن شركات وبنوك لصالح رجال أعمال مقربين من الرئيس.
  • ميزانيات تنهب بدون حسيب ولا رقيب

كانت تلك السنوات مرحلة “رسملة السلطة”، حيث اختلطت الدولة بالقبيلة، والمكتب بالبيت، والوظيفة بالمصلحة الشخصية.

● حقوق الإنسان… الوجه الأكثر قسوة

السنوات التي تلت 12/12 كانت من أكثر المراحل دموية وقسوة في تاريخ البلاد، حيث:

  • الاعتقالات التعسفية
  • الاختفاء القسري
  • التعذيب داخل ثكنات سرية
  • تنفيذ إعدامات جماعية بحق عسكريين أفارقة
  • الترحيل القسري لعشرات الآلاف من المواطنين
  • قمع حرية التعبير
  • تجريم المعارضة السياسية
  • مصادرة حرية الرأي

عشرون سنة لم تحقق فيها الدولة انجازات تذكر رغم التمويلات الضخمة ، وإنما تحول السئ إلي أسوأ، هذه الحقبة لا تزال ملفاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية، إذ لم تُفتح محاسبة حقيقية، ولم تُكشف الوثائق الكاملة، وبقيت مسؤولية الدولة معلّقة.

● “فرّق تسد”… التجربة الاجتماعية الأكثر خطورة

أخطر ما تركه نظام ولد الطايع هو تفتيت النسيج الاجتماعي عبر:

  • تعزيز الانتماءات القبلية والجهوية
  • اللعب على وتر العرق واللغة
  • خلق طبقة موالية من الإداريين والضباط
  • إقصاء مكوّنات كاملة من المشاركة السياسية والاقتصادية
  • توزيعات المناصب والتعينات علي أسس المولات ،لا علي أسس الكفاءة .

بهذا، أصبحت الدولة ليست مجرد سلطة، بل شبكة من المصالح المتشابكة يصعب تفكيكها حتى بعد سقوط النظام.

● 12/12… ذكرى انقلاب أم ميلاد أزمة؟

اليوم، ونحن نستعيد ذكرى ذلك الانقلاب، يصبح السؤال الأكبر:

● هل أنهت موريتانيا عصر فعلا الانقلابات ؟ 

فعلى الرغم من الواجهات الديمقراطية اللاحقة، ما زالت:

  • منظومة الفساد متجذرة
  • الانتخابات محل شك واسع
  • حقوق الإنسان ملفاً هشاً
  • الإدارة خاضعة لمنطق الولاءات
  • تحكم الولاءات القبلية بدل السياسية
  • الاقتصاد مرتهناً للمصالح الضيقة
  • والجيش لاعباً أساسياً في تشكيل المشهد السياسي

لقد شكّل انقلاب 12/12 نقطة الانطلاق الكبرى لخلل عميق لم تُغلق صفحته بعد.

■ إن الحديث عن انتخابات نزيهة أو انتقال ديمقراطي حقيقي يظل بلا معنى ما لم تتفكك أولاً منظومةالفساد التي تأسست بعد انقلاب ولد الطايع:
منظومة ترى الدولة غنيمة، والسلطة ميراثاً، والمواطن رقماً في لعبة أكبر منه.

وتبقى موريتانيا بحاجة إلى لحظة سياسية صادقة تعترف بالماضي، وتواجهه، وتبني دولة لا تُدار من الثكنات ولا تُباع في المكاتب.

زر الذهاب إلى الأعلى