أخبار دولية

طوفان الألم …حين تتحول المغامرة الي كارثة بكل الأبعاد

مقال صحفي تحليلي 

محمدعبدالرحمن ول عبدالله

صحفي إجتماعي وحقوقي

لم تعد غزة تحتمل مزيدًا من الدم، ولا مزيدًا من المقامرات العقيمة التي تُدار بعيدًا عن همّ الناس وحقهم في الحياة. فمنذ عملية طوفان الأقصى، انطلقت أصوات تنشد “النصر” وتصف ما جرى بـ“الفتح المبين”، بينما الواقع على الأرض لا يشي إلا بفاجعة إنسانية لا يمكن تبريرها بأي خطاب تعبوي أو شعارات عاطفية مهما بلغت حرارتها.

الحقيقة المُرّة التي يحاول البعض إخفاءها هي أن القطاع دُفع — مرة أخرى — إلى أتون حرب غير محسوبة، قادتها حماس دون تشاورٍ حقيقي مع أي من شركائها المفترضين، ودون تقدير عقلاني لميزان القوى أو لردة الفعل الإسرائيلية التي كانت واضحة بشكل لا يخفى على أي عقل مسؤول.

● أرقام الكارثة… شهادة دامغة ضد الغلو

  • 300 ألف من أبناء غزة  هُجِّروا قسرًا
  • 400 ألف رُحّلوا من مناطقهم
  • 30 ألفًا لا يزالون في عداد المفقودين
  • مليونا إنسان يعيشون التشرّد وسط العراء
  • 1.5 مليون منزل سويت بالأرض
  • عشرات المستشفيات دمرت كليا
  • 70% من غزة أصبحت أطلال

أيّ عقل يمكن أن يصف هذه المأساة بـ”الفتح”؟ أيّ انتصار هذا الذي يُحرم فيه شعبٌ بأكمله من حقه الطبيعي في الحياة والكرامة؟

إنها نتائج مغامرة عسكرية اتُخذت في غرفة مغلقة، بلا مشاركة للناس ولا احترام لحقهم في معرفة ثمن المعركة التي زُجّوا فيها، وبلا حساب حقيقي للكلفة التي قد تمتد لعقود.

●حماس… حين يتحول السلاح إلى وصاية

لن يستقيم الحديث عن مستقبل غزة دون الاعتراف — بوضوح وشجاعة — بأن حماس تحولت من فصيل مقاوم إلى سلطة أمر واقع متطرفة تصادر القرار الفلسطيني، وتستعمل السلاح لفرض رؤيتها، حتى وإن أدى ذلك إلى إحراق القطاع كله.
لقد أصبح الناس في غزة محاصرين بين جيش الاحتلال من جهة، وقبضة حماس العقائدية من جهة أخرى، وكلاهما لا يعبأ بثمن الدم كما يجب.

إن مقاومة بلا محاسبة تتحول إلى غلو سياسي وعسكري، وإن من يحتكر القرار يجرّ شعبه إلى الهلاك مهما كانت نواياه.

● سلامٌ تام… لا استراحة محارب

إن الدعوة إلى السلام ليست خيانة، بل شجاعة.
والسلام الذي تحتاجه غزة اليوم ليس هدنة هشة ولا وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، بل سلام تام، شامل، دائم يُنهي دورة العنف، ويعيد القرار إلى أهله، ويُنقذ ما تبقى من المدنيين من طاحونة حرب تحوّلت إلى عقيدة عند المتطرفين على ضفتي الصراع.

سلامٌ يقوم على:

  • منع أي فصيل من جرّ القطاع إلى حرب دون تفويض من الشرعية الفلسطينية
  • إعادة إعمار غزة بتوافق وطني
  • بناء منظومة سياسية ديمقراطية شفافة
  • تحرير القرار الفلسطيني من قبضة السلاح غير المنضبط
  • وضع حد للخطاب المتطرف الذي يساوي بين التضحية والانتحار

● المقاومة ليست غلوًا… والكرامة ليست موتًا مجانيًا

لقد كان بعض المتحمسين للعملية في بدايتها، يتجاهلون واقع غزة الماساوي وغير القابل للزيادة.وكتبوا الكثير من  تمجيد”  المقاومين” ،  لكن حين اتضح أن ما جرى لم يكن سوى خطوة غير محسوبة أغرقت الناس في مأساة لا توصف، كان واجبًا أخلاقيًاعليهم  أن يقولوا  الحقيقة كما هي.

إن النقد ليس طعنًا في المقاومة، بل محاولة لإنقاذها من نفسها، وتحريرها من عقلية المغامرة، وإعادتها إلى البوصلة الأولى: حماية الإنسان قبل الأرض، لأن الأرض بلا إنسان تتحول إلى مساحة رماد.

● خلاصة القول

ما تحتاجه غزة ليس مزيدًا من الحماسة، بل جرأة الاعتراف بأن الطوفان كان كارثة، وأن الغلو لا يصنع نصرًا، وأن تحرير غزة يبدأ من إنهاء هيمنة حماس، وفتح الطريق أمام قيادة وطنية عاقلة تبني السلام وتُعيد للناس حقهم في حياة آمنة وكريمة.

غزة لا تريد أبطالًا جددًا…
غزة تريد سلامًا شجاعًا ينقذ أبناءها قبل أن تنقرض أحلامهم.

زر الذهاب إلى الأعلى