ضفتا نهر السنغال: تاريخ مشترك وروابط اجتماعية تتحدى الحدود

تقرير صحفي ،إعداد :
محمدعبدالرحمن ول عبدالله
صحفي إجتماعي وحقوقي
على امتداد نهر السنغال، لم تكن الضفتان يومًا مجرد فصلٍ جغرافي بين عالمين متقابلين، بل شكلتا عبر التاريخ فضاءً واحدًا للتفاعل الاجتماعي والثقافي والسياسي. فمنذ القرن التاسع عشر، تداخلت المصائر بين البيظان وسكان الجنوب، في علاقات صنعتها المقاومة، واللجوء، والمصاهرة، قبل أن تحاول السياسات الاستعمارية تفكيكها بقرارات إدارية وحدود مصطنعة.
▪︎ سقوط والو وبداية التحول التاريخي
شهدت سنة 1854 نقطة مفصلية في تاريخ المنطقة، مع سقوط مملكة والو إثر الهجوم الفرنسي الذي قاده العقيد لويس فيدرب. فقد قُتل الملك، فيما رفضت الملكة الاستسلام، ليُحرق قصرها بمن فيه، ولا ينجو من المجزرة سوى قلة من أفراد العائلة الحاكمة والمقربين منها. ومن بين هؤلاء برزت الأميرة صامبولي، التي اضطرت إلى اللجوء شمالًا، نحو أرض البيظان.
وتشير الروايات الشفوية المتداولة في منطقة دار البركة إلى أن عددًا معتبرًا من سكانها اليوم ينحدرون، في أصولهم، من ذرية وأقارب الأميرة صامبولي، الذين أعادوا بناء حياتهم في الضفة اليمنى للنهر، بعد أن فقدوا وطنهم السياسي في والو.
▪︎ إمارة الترارزة: حماية تتجاوز السياسة
لم يكن استقبال اللاجئين فعلَ مجاملة سياسية، بل موقفًا سياديًا واضحًا اتخذه الأمير محمد لحبيب، أمير الترارزة آنذاك. فبعد أن أصدر فيدرب مرسومًا يمنع عبور السكان الزنوج إلى الضفة اليمنى، باعتبارها “أرض البيظان”، ردّ الأمير بمرسوم مضاد، تعهد فيه بحماية كل من يعبر النهر طلبًا للأمن.
وتعزز هذا الموقف بعلاقات نسب مباشرة؛ إذ كانت الأميرة صامبولي أخت جمبت، زوجة الأمير محمد لحبيب، ووالدة الأمير أعل، وجدة الأمير بيادة. وهكذا تحولت الحماية السياسية إلى رابطة اجتماعية متينة، رسخت وجود اللاجئين داخل البنية القبلية والاجتماعية للبيظان.
▪︎ قراءة سوسيولوجية: النهر كجسر لا كحدّ
من منظور سوسيولوجي، يكشف هذا الحدث عن طبيعة المجتمع في حوض نهر السنغال قبل الاستعمار، حيث لم تكن الهوية تُبنى على أساس العِرق الصلب أو الانتماء الإقليمي الضيق، بل على شبكات التحالف، والمصاهرة، والولاء السياسي. لقد شكّل النهر جسرًا للتواصل، لا حاجزًا للفصل.
كما يبرز التقرير كيف سعت الإدارة الاستعمارية إلى إعادة تعريف المجال الاجتماعي، عبر تقسيم السكان إلى “زنوج” و”بيظان”، ومنع الحركة بين الضفتين، في محاولة لإنتاج هويات متقابلة ومتصادمة. غير أن رد فعل إمارة الترارزة يعكس مقاومة محلية لهذا التصنيف القسري، وتمسكًا بنموذج التعايش التاريخي.
▪︎ من التاريخ إلى الحاضر: ذاكرة غير مكتملة
ورغم مرور أكثر من قرن ونصف على تلك الأحداث، لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية لسكان الضفتين. ففي مناطق مثل دار البركة، تتعايش الرواية التاريخية مع الواقع الاجتماعي، حيث تشهد الأنساب والعادات المشتركة على عمق التداخل بين المجموعات السكانية.
غير أن هذه الذاكرة، بحسب باحثين اجتماعيين، ظلت مهمشة في السرديات الوطنية الرسمية، التي غالبًا ما تركز على الدولة الحديثة وحدودها، وتتجاهل التاريخ الاجتماعي المشترك الذي سبقها.
▪︎ خلاصة
يكشف تاريخ العلاقات بين ضفتي نهر السنغال أن ما يجمع السكان أكبر بكثير مما فرّقهم لاحقًا. فقبل أن ترسم الخرائط الاستعمارية حدودها، كانت المنطقة فضاءً واحدًا، تحكمه قيم النصرة، والحماية، والانتماء المشترك. وإعادة قراءة هذا التاريخ اليوم، بمنظور صحفي وتحليلي، ليست مجرد استحضار للماضي، بل مدخل لفهم التوترات الراهنة، وإمكانية تجاوزها عبر الاعتراف بالجذور الاجتماعية والثقافية المشتركة.







