في ذكرى رحيله: مصطفى ولد محمد السالك… رجل مرحلةٍ فاصلة في تاريخ موريتانيا

في ذكرى وفاة الرئيس الأسبق مصطفى ولد محمد السالك، تستعيد الذاكرة الوطنية سيرة رجلٍ ارتبط اسمه بإحدى أكثر المراحل حساسية في تاريخ موريتانيا الحديث، بوصفه أول رئيس عسكري للجمهورية الإسلامية الموريتانية، وقائد مرحلة انتقالية حملت آمالًا وتحديات جسيمة في آنٍ واحد.
وُلد مصطفى ولد محمد السالك في موريتانيا ونشأ في بيئة تقليدية غرست فيه قيم الانضباط والصرامة وتحمل المسؤولية. ومنذ التحاقه بالمؤسسة العسكرية، شقّ طريقه بثبات داخل الجيش الوطني، متدرجًا في الرتب، وراكم تجربة ميدانية وإدارية أكسبته سمعة ضابط هادئ الطباع، صارم في أدائه، يؤمن بأن خدمة الدولة واجب قبل أن تكون امتيازًا.
برز اسمه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وهي مرحلة كانت فيها موريتانيا تواجه تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية معقدة، في ظل ضغوط داخلية وإقليمية متزايدة. وفي لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، تولّى مصطفى ولد محمد السالك قيادة التحول السياسي الذي أنهى مرحلة وبشّر بأخرى، ليصبح رئيسًا للجنة العسكرية للخلاص الوطني، ورئيسًا للجمهورية.
جاء إلى السلطة في ظرف استثنائي، مثقل بالأزمات والرهانات الكبرى، ما جعل مهمته بالغة الصعوبة. ورغم قصر فترة حكمه، فإنها شكّلت مرحلة انتقالية حاسمة، سعى خلالها إلى الحفاظ على تماسك الدولة، وإدارة توازنات دقيقة داخل المشهد السياسي، وفي قلب المؤسسة العسكرية نفسها، وسط واقع إقليمي مضطرب.
اتسم أسلوبه في الحكم بالحزم والتحفظ، وابتعد عن الخطاب الاستعراضي، مفضّلًا العمل الصامت والقرارات المدروسة. وكان يرى في السلطة تكليفًا ثقيلًا لا تشريفًا عابرًا، وهو ما انعكس في سلوكه العام، سواء أثناء وجوده في الحكم أو بعد خروجه منه.
وبعد مغادرته السلطة، اختار مصطفى ولد محمد السالك الابتعاد عن الأضواء، ملتزمًا الصمت، ومحتفظًا بمكانته في الذاكرة الوطنية بعيدًا عن الجدل أو الادعاءات، في صورة نادرة لرجل دولة فضّل الانسحاب الهادئ على الحضور السياسي المستمر.
وفي ذكرى وفاته، يُستحضر مصطفى ولد محمد السالك ليس فقط بوصفه رئيسًا سابقًا، بل كرمز لمرحلة دقيقة من تاريخ موريتانيا، ورجل دولة تحمّل مسؤولية القيادة في زمنٍ عصيب، وأدّى دوره كما رآه واجبًا وطنيًا. فقد رحل الجسد، لكن الأثر بقي حاضرًا في سجل التاريخ، شاهدًا على أن مسارات الأوطان قد تُحسم أحيانًا في فترات قصيرة، لكنها عميقة الدلالة.
رحم الله مصطفى ولد محمد السالك، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه مناسبة للتأمل في تاريخ موريتانيا الحديث، وفي دروس القيادة والمسؤولية خلال لحظات التحول الكبرى.







