ثقافة

حيّ البستانيين في داكار: تحوّل المجال من الزراعة إلى عقدة حضرية استراتيجية

محمدعبدالرحمن عبدالله
صحفي ، موريتاتي

على تخوم العاصمة السنغالية داكار، وتحديدًا في محيط حي بيكين (Pikine)، يبرز حي البستانيين (Beaux Maraîchers) بوصفه أحد النماذج الدالة على التحولات العميقة التي عرفها المجال الحضري في المدن الإفريقية الساحلية. حيٌّ تشكّل في الأصل كفضاء زراعي يمدّ المدينة بحاجتها من الخضروات، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى نقطة ارتكاز حضرية نابضة بالحركة والعبور.

● جذور زراعية في ذاكرة المدينة
يحمل اسم الحي دلالته بوضوح؛ فقد كان منطقة استقرار للبستانيين ومزارعي الخضر الذين لعبوا دورًا مهمًا في تغذية داكار خلال مراحل توسعها الأولى. آنذاك، شكّلت الأراضي المحيطة بالحي مجالًا فلاحيًا استراتيجيًا، مكّن العاصمة من الاعتماد على إنتاج محلي قريب، في سياق مدينة كانت لا تزال محدودة الامتداد.
غير أن هذا الدور بدأ في التآكل مع تسارع النمو السكاني، وتزايد الضغط على الأراضي، ما أدّى إلى إدماج الحي تدريجيًا ضمن النسيج الحضري لداكار الكبرى.

● من الهامش الزراعي إلى الفضاء الحضري
مع موجات النزوح الداخلي، خصوصًا من الأقاليم الريفية، تحوّل حي البستانيين إلى منطقة استقبال سكاني كثيف. هذا التحول لم يكن مخططًا بالضرورة، بل جاء في سياق تمدّد حضري سريع فرضته الحاجة إلى السكن والقرب من فرص العمل.
ونتيجة لذلك، تغيّرت البنية الاجتماعية للحي، حيث حلّ التنوع محلّ التجانس القديم، وتداخلت أنماط عيش مختلفة، ما أفرز ثقافة حضرية جديدة، قوامها الحركة اليومية، والاقتصاد غير المنظم، والتكيّف المستمر مع واقع حضري متحوّل.

● عقدة نقل ومركز عبور
أحد أبرز ملامح التحول البنيوي للحي يتمثل في احتضانه لمحطة قطارات ومحطة محورية للنقل الطرقي بين المدن. هذه البنية التحتية جعلت من حي البستانيين عقدة مواصلات استراتيجية، تربط العاصمة بمحيطها الداخلي، وتحوّله إلى نقطة عبور رئيسية للأشخاص والبضائع.
هذا الموقع الجديد أعاد تعريف وظيفة الحي داخل المدينة، فلم يعد مجرد فضاء سكني، بل أصبح جزءًا من ديناميكية اقتصادية أوسع، تُغذّيها حركة النقل، والتجارة الصغيرة، والخدمات المرتبطة بالمسافرين.

● تحولات ثقافية واجتماعية
رافق التحول العمراني تغيّر ثقافي واضح، حيث انتقلت المنطقة من إيقاع الحياة الزراعية الهادئة إلى إيقاع حضري متسارع. الأسواق المؤقتة، الباعة الجائلون، ورش الخدمات، وتداخل الأنشطة الرسمية وغير الرسمية، كلها عناصر أعادت تشكيل المشهد اليومي للحي.
ورغم ذلك، لا يزال اسم «البستانيين» حاضرًا بقوة، بوصفه رمزًا لذاكرة جماعية تذكّر بأصل المكان، وتكشف في الوقت نفسه حجم القطيعة بين الماضي الزراعي والحاضر الحضري.

● حيّ يعكس مسار داكار
يمثّل حي البستانيين اليوم مرآة مصغّرة لمسار داكار نفسها: مدينة توسّعت على حساب هوامشها، وابتلعت فضاءاتها الزراعية، دون أن تنجح دائمًا في تحقيق توازن بين التخطيط، والعدالة المجالية، والحفاظ على الذاكرة.
في هذا الحي، تتجاور آثار الماضي مع ضرورات الحاضر، وتبقى التحولات مفتوحة على أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل المدن الإفريقية، وحدود النمو الحضري، وقدرة السياسات العمومية على استيعاب هذا التحوّل دون إقصاء اجتماعي أو فقدان للهوية.

زر الذهاب إلى الأعلى