عالِمة في الظل… حين نُهمل من غيّروا وجه العالم

هل تعرفون هذه السيدة؟
غالبًا لا.
ومع ذلك، يكاد لا يمر يوم في حياتنا الحديثة دون أن نستخدم ثمرة من ثمار عملها، دون أن نلتفت إلى اسمها أو قصتها.
إنها البروفسورة غلاديس ويست، عالِمة رياضيات أمريكية من أصول إفريقية، كانت من العقول الأساسية التي أسهمت في بناء الأسس العلمية لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS). لم تخترع النظام وحدها، كما قد يظن البعض، لكنه ما كان ليبلغ دقته الحالية لولا النماذج الرياضية المعقدة التي وضعتها لشكل الأرض، والتي سمحت للأقمار الصناعية بتحديد المواقع بدقة غير مسبوقة.
هذه التقنية التي نعتمد عليها اليوم في السفر، والإنقاذ، والملاحة، والخرائط، وحتى في هواتفنا الذكية، لم تولد فجأة، بل كانت نتاج عقول عملت في صمت داخل المختبرات، بعيدًا عن عدسات الإعلام. وغالبًا ما كان نصيب العلماء ذوي الأصول الإفريقية من هذا الجهد هو التهميش أو النسيان.
قصة غلاديس ويست ليست استثناءً، بل نموذجًا متكررًا في تاريخ العلم؛ حيث يُحتفى بالنتائج، وتُنسى الأسماء، خصوصًا حين لا تنتمي إلى المراكز التقليدية للسلطة العلمية أو الرمزية الثقافية. وفي عالمنا الإفريقي، يتضاعف هذا الغياب، إذ لا تُدرّس مثل هذه النماذج في مناهجنا، ولا تحضر في خطابنا الثقافي، وكأن مساهمة الإنسان الإفريقي في العلوم الحديثة أمر طارئ أو هامشي.
المفارقة المؤلمة أن ملايين الأفارقة يستخدمون اليوم نظام GPS في تنقلهم وأسفارهم، دون أن يعلموا أن إحدى الركائز العلمية لهذا النظام وضعتها امرأة من أصول إفريقية، تحدّت القيود الاجتماعية والعنصرية، وفرضت اسمها في مجال كان حكرًا على قلة.
ليست المشكلة في جهل الناس بالأسماء، بل في غياب ثقافة الاعتراف. فالأمم التي لا تُنصف علمائها، ولا تحفظ ذاكرتها العلمية، تُسهم – من حيث لا تدري – في استمرار تهميش ذاتها، وفي تكريس صورة ناقصة عن دورها في بناء الحضارة الإنسانية.
إن استعادة أسماء مثل غلاديس ويست ليست ترفًا ثقافيًا، بل فعل وعي، ومحاولة متأخرة لرد الاعتبار لمن عملوا في الظل، وتركوا إنجازاتهم تتحدث عنهم، بينما صمتت الذاكرة طويلًا.
الإتحاد -القسم الثقافي







