ثقافة

عزاء تفرغ زينة… حين يتحول الحزن إلى مسرح للنفاق

محمدعبدالرحمن ول عبدالله

صحفي ، وكاتب

لم يكن عزاء تفرغ زينة حدثًا اجتماعيًا عابرًا، بل لحظة كاشفة بامتياز، انكشفت فيها طبقات عميقة من الانهيار الأخلاقي الذي تعيشه البلاد. ففي مقام يفترض أن يتجرد فيه الناس من المصالح، وأن يتقدم فيه الصمت على الكلام، والصدق على الزيف، تحوّل العزاء إلى مسرح واسع للنفاق والتملق والاستعراض، في مشهد يرقى إلى زلزال أخلاقي حقيقي لا سابقة له في وعينا الجمعي.

● حين يُغتال الحزن
العزاء، في جوهره الإنساني، فعل تضامن خالص، مساحة أخيرة للصدق حين تخوننا الكلمات. لكن ما جرى في تفرغ زينة كشف كيف جرى اغتيال هذا المعنى النبيل، وتحويل الحزن إلى مناسبة اجتماعية محسوبة بدقة: من حضر؟ ومن جلس في الصفوف الأولى؟ ومن التقطت له الصور؟ كأن الألم نفسه أصبح مادة للتوظيف، لا شعورًا يستحق الاحترام.

● النفاق… من سلوك معيب إلى ثقافة سائدة
الأخطر من المشهد ذاته هو ما يعكسه من تحول خطير في منظومة القيم. فالنفاق لم يعد سلوكًا معيبًا يُخفى، بل بات عملة اجتماعية رائجة، وشرطًا غير معلن للقبول والترقي. الصدق صار عبئًا، والموقف الأخلاقي مغامرة غير محسوبة، أما التملق فقد غدا لغة مشتركة بين مختلف الفاعلين، من العامة إلى النخب.

● السلطة والنخبة: شراكة في التآكل
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن السياق السياسي والاجتماعي العام. حين تكافئ السلطة المطيعين لا الصادقين، وحين تصمت النخب – أو تشارك – خوفًا على مواقعها، يصبح النفاق سلوكًا عقلانيًا في نظر كثيرين. هكذا يتكرس الانحراف، لا بفعل القهر وحده، بل عبر تواطؤ صامت يجعل من الزيف قاعدة، ومن الصدق استثناءً مزعجًا.

● من حادثة إلى مؤشر خطير
عزاء تفرغ زينة ليس سبب الأزمة، بل مؤشر عليها. إنه عرض لمرض أعمق يتمثل في انهيار الحدود بين الأخلاق والمصلحة، وبين الفعل الإنساني والفعل النفعي. حين تُستباح حتى لحظات الموت والحزن، فهذا يعني أن المجال الأخلاقي نفسه لم يعد محميًا، وأن المجتمع دخل مرحلة خطرة من التطبيع مع القبح.

● المسؤولية جماعية… والصمت مشاركة
ليس من العدل تحميل طرف واحد المسؤولية. فالنفاق لا ينتشر إلا في بيئة تتسامح معه، وتكافئه، وتهاجم من يفضحه. الصمت هنا ليس حيادًا، بل شكل من أشكال المشاركة. وكل تبرير، وكل ضحكة مجاملة، وكل تجاهل، يضيف لبنة جديدة في جدار الزيف.

● إلى أين نمضي؟
مجتمع يفقد قدرته على احترام الحزن، ويحوّل العزاء إلى منصة للتسلق الاجتماعي، هو مجتمع مهدد بفقدان ما تبقى من إنسانيته. الخطر لا يكمن فقط في انتشار النفاق، بل في لحظة يصبح فيها غير مرئي، لا يثير الغضب ولا حتى الاستغراب.

ما كشفه عزاء تفرغ زينة ليس فضيحة عابرة، بل حقيقة مؤلمة: نحن أمام أزمة أخلاقية عميقة، تتغذى على الخوف والطمع وغياب المحاسبة. والسؤال لم يعد: كيف وصلنا إلى هنا؟
بل: هل نملك الشجاعة للوقوف في وجه ثقافة الزيف، قبل أن تبتلع آخر ما تبقى من المعنى؟

زر الذهاب إلى الأعلى