مستشفي روصو: حين تعجز الجهود الفردية عن إصلاح منظومة مختلة

في الوقت الذي يُجمع فيه كثير من المراجعين والعاملين على كفاءة مدير مركز الاستطباب بروصو، وانضباطه الإداري، وحرصه الواضح على تحسين الأداء داخل حدود الإمكانيات المتاحة، يظل واقع المستشفيات العمومية في موريتانيا – بما فيها مركز الاستطباب بروصو – مخيبًا للآمال، ويكشف عن اختلالات أعمق تتجاوز الأشخاص وتمس جوهر المنظومة الصحية برمتها.
لا يُمكن إنكار أن إدارة المركز تبذل جهودًا ملموسة في تنظيم العمل، وضبط الحضور، ومحاولة ترشيد الموارد الشحيحة، فضلًا عن تحسين العلاقة مع المرضى في بعض الأقسام. غير أن هذه الجهود تصطدم يوميًا بواقع قاسٍ يتمثل في نقص التجهيزات الطبية، وغياب الأدوية الأساسية، والاكتظاظ المزمن، وتهالك البنية التحتية، وهي عوامل تُفرغ أي كفاءة إدارية من مضمونها العملي.
يعاني المرضى من طول فترات الانتظار، وضعف خدمات الاستعجالات، ونقص الأخصائيين، ما يدفع كثيرين – رغم أوضاعهم المادية الهشة – إلى البحث عن العلاج في القطاع الخاص أو خارج البلاد. أما الطواقم الطبية وشبه الطبية، فتعمل في ظروف صعبة، بأجور متواضعة، وضغط مهني كبير، دون تحفيز حقيقي أو حماية مهنية كافية.
وتكشف حالة مركز الاستطباب بروصو عن معضلة متكررة في القطاع الصحي الوطني: تحميل المسؤولية للأشخاص بدل مساءلة السياسات. فالمشكلة ليست في مدير هنا أو مسؤول هناك، بقدر ما هي في غياب رؤية وطنية متكاملة للصحة العمومية، وضعف التخطيط، وسوء توزيع الموارد، وغياب الرقابة الصارمة على الصفقات والتجهيزات، فضلاً عن محدودية الميزانيات المرصودة مقارنة بحجم الحاجيات.
إن استمرار هذا الوضع يُنذر بتآكل الثقة في المستشفى العمومي، ويُعمّق الفجوة الصحية بين الفئات الاجتماعية، ويجعل من الحق في العلاج الجيد امتيازًا لا حقًا مكفولًا. كما أن الرهان على الجهود الفردية، مهما بلغت درجة الإخلاص والكفاءة، يظل رهانًا هشًا لا يمكن أن يُعوّض إصلاحًا هيكليًا شاملًا.
ختامًا، فإن الإشادة بكفاءة مدير مركز الاستطباب بروصو لا ينبغي أن تكون مبررًا لتجميل واقع صحي مأزوم، بل يجب أن تكون مدخلًا لطرح السؤال الجوهري: متى تنتقل الدولة من إدارة الأزمات إلى إصلاح المنظومة؟ فالصحة العمومية لا تُدار بالنيات الحسنة وحدها، بل بالسياسات الجادة، والتمويل الكافي، والمساءلة الصارمة، ووضع المريض في صلب الاهتمام.







