تمكين الشباب بالشعارات… حين تتحول الورشات الثقافية إلى غطاء للفشل التنموي

مرة أخرى، تطلق وزارة تشريد الشباب والبطالة والكسل والخدمة البدوية، نشاطًا احتفاليًا جديدًا، هذه المرة في شكل “دورات تكوينية في تقنيات المسرح” لصالح 120 شابًا في حي شعبي من نواكشوط، وسط حضور بسيط لنشاط صغير وخطابات منمّقة عن “التمكين” و“الإبداع” و“تنزيل برنامج طموحي للوطن”. غير أن هذا المشهد المتكرر يختزل بوضوح طريقة تعاطي الوزارة مع ملف الشباب: كثير من الصورة، قليل من الجوهر.
ففي بلد يشهد أكبر هجرة جماعية للشباب نحو المجهول و تُسجَّل فيه نسب بطالة مرتفعة ، وتغيب فيه سياسات تشغيل فعّالة، وتكاد تنعدم فرص الإدماج الاقتصادي الحقيقي، يصبح الحديث عن ورشات مسرحية – مهما كانت قيمتها الثقافية – نوعًا من الهروب إلى الهامش بدل مواجهة لبّ الأزمة. المشكلة الأساسية للشباب الموريتاني اليوم ليست نقص التكوين في السينوغرافيا أو تقنيات الظهور على الخشبة، بل غياب فرص العمل، وندرة التمويل، وانسداد الأفق أمام المبادرات الحرة.
لقد تحوّل خطاب “تمكين الشباب” في السنوات الأخيرة إلى مجرد لازمة لغوية تُستدعى في كل نشاط رسمي، دون أن يواكبها تحول حقيقي في السياسات العمومية. فالوزارة، بدل أن تنخرط في إصلاحات بنيوية عميقة تشمل سوق العمل، ودعم ريادة الأعمال، وإصلاح منظومة التكوين المهني، وبناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، تكتفي بسلسلة من الأنشطة الرمزية التي تُسوَّق إعلاميًا باعتبارها إنجازات.
واللافت أن هذه المبادرات غالبًا ما تُقدَّم في قوالب دعائية جاهزة: حضور رسمي، كلمات إنشائية، استدعاء لبرنامج الرئيس، ثم صور جماعية تُملأ بها الصفحات الرسمية. أما على أرض الواقع، فلا أثر ملموس يُذكر: لا مشاريع مستدامة، ولا فرص شغل، ولا مسارات واضحة لتحويل هذه “التكوينات” إلى نشاط اقتصادي أو مهني قابل للحياة.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التدخلات يساهم في تسطيح مفهوم التمكين نفسه، وتحويله إلى شعار فارغ. فالتمكين ليس ورشة عابرة ولا دورة تكوينية ظرفية، بل سياسة عمومية شاملة تقوم على توفير البيئة القانونية والاقتصادية والمؤسساتية التي تسمح للشباب بالعمل والإنتاج والمبادرة والاستقلال. أما الاكتفاء بأنشطة موسمية محدودة الأثر، فهو في حقيقته شكل من أشكال “تدبير العجز” أكثر منه سياسة تنموية.
إن الإصرار على تقديم هذه المشاريع الهشّة بوصفها “إنجازات” لا يخدم الشباب بقدر ما يخدم الخطاب الرسمي للوزارة، ويؤكد أن الإشكال لم يعد في نقص الموارد أو الأفكار، بل في غياب الإرادة السياسية لتحويل ملف الشباب من ملف دعائي إلى أولوية تنموية حقيقية.
فإلى متى سيظل الشباب وقودًا للصور والخطابات، بدل أن يكونوا محورًا لسياسات شجاعة تعترف بفشل المقاربات الحالية وتبحث عن بدائل جذرية؟







