وحوش البحر تلتهم رزق الشاطئ: حين تتحول الثروة البحرية إلى غنيمة للسفن الأجنبية

تُعدّ السفينة العملاقة Ocean Fresh نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ«وحوش البحر» التي ساهمت، خلال السنوات الماضية، في استنزاف الثروة السمكية الموريتانية دون اعتبار حقيقي لقدرة المخزون على التجدد ولا لمصالح الصيادين المحليين. هذه السفينة، التي يبلغ طولها نحو 115 مترًا وتفوق حمولتها 7 آلاف طن، لا تعمل منفردة، بل ضمن منظومة كاملة من السفن الصغيرة التابعة لها، التي تقوم بعمليات الصيد ثم تفريغ المصطادات مباشرة في عرض البحر، في ممارسة تُعرف بـ«التفريغ في البحر» أو transshipment، وهي من أكثر الممارسات إثارة للجدل بسبب صعوبة مراقبتها وما تفتحه من أبواب واسعة للتلاعب بالكميات الحقيقية المصطادة والتهرب من الرقابة.
الأخطر من ذلك أن هذه السفن العملاقة وتوابعها كانت، في حالات عديدة، تقترب من الشريط الساحلي لمسافات تقل أحيانًا عن أربعة أميال بحرية، في تجاوز واضح لمجالات الصيد المخصصة تقليديًا للصيد التقليدي والحرفي، وهو ما أدى إلى تدمير مناطق حضانة الأسماك وحرمان آلاف الصيادين المحليين من مورد رزقهم الأساسي. فبدل أن تكون الثروة البحرية رافعة للتنمية المحلية وتشغيل الشباب، تحولت في كثير من الأحيان إلى مورد يُستنزف بسرعة لصالح شركات أجنبية تمتلك إمكانات تقنية هائلة وشهية مفتوحة للأرباح السريعة.
والمفارقة المؤلمة أن هذه السفينة نفسها كانت ترفع سابقًا علم النرويج، قبل أن تغيّر علمها إلى سلطنة عمان، في ظاهرة تُعرف بـ«تغيير الأعلام» أو flag hopping، وهي ممارسة شائعة لدى السفن الصناعية للالتفاف على القيود القانونية أو الاستفادة من اتفاقيات صيد أكثر مرونة. هذا التنقل بين الأعلام يطرح أسئلة جدية حول فعالية أنظمة الترخيص والمراقبة، وحول مدى قدرة السلطات الوطنية على تتبع سجل هذه السفن وممارساتها السابقة.
في هذا السياق، تبرز مخاوف متزايدة من احتمال عودة سفن من طراز Ocean Fresh أو ما يماثلها إلى المياه الموريتانية، خاصة في ظل تصريحات رسمية تتحدث عن استجلاب مزيد من سفن الصيد الأجنبية لاستهداف ما تبقى من مخزون أسماك السطح الصغيرة. وهي فئة تُعدّ العمود الفقري للأمن الغذائي الوطني، ومصدرًا حيويًا للبروتين الرخيص الذي تعتمد عليه شرائح واسعة من السكان، فضلًا عن كونها قاعدة السلسلة الغذائية البحرية بأكملها.
إن استمرار هذا النهج، القائم على فتح المجال أمام أساطيل صناعية ضخمة في مقابل هشاشة منظومة المراقبة البحرية، ينذر بعواقب بيئية واقتصادية واجتماعية خطيرة: تراجع المخزون السمكي، تهديد التوازن البيئي، اتساع دائرة البطالة في صفوف الصيادين التقليديين، وتبديد فرصة تحويل الثروة البحرية إلى قيمة مضافة حقيقية عبر التصنيع المحلي وخلق فرص العمل.
ما يحدث اليوم في البحر الموريتاني لا يمكن اختزاله في “اتفاقيات صيد” أو “شراكات اقتصادية”، بل هو، في كثير من جوانبه، صورة من صور الفوضى في تسيير مورد استراتيجي نادر. فالثروة البحرية ليست مجرد أرقام في تقارير التراخيص، بل هي ملك للأجيال الحالية والقادمة، وأي سياسة لا تضع الاستدامة والرقابة الصارمة في صميمها، إنما تُراكم الخسائر وتؤجل التد هور البيئي والاجتماعي إلى الغد القريب.







