ثقافة

أعمار تتجاوز القرن: قصص إنسانية لمعمرين سعوديين

ليس العمر المديد وحده ما يصنع الدهشة، بل ما يتركه خلفه من أسئلة عن الزمن، والوحدة، ومعنى أن يطول بك البقاء حتى يغادرك كل من عرفت.
أن تعيش قرنًا من الزمان قد يُعدّ إنجازًا بيولوجيًا نادرًا، لكن أن تعبر القرن ونصفه تقريبًا، فذلك أشبه برحلة طويلة في ذاكرة وطن، ومشيٍ بطيء على أطراف قرون متعاقبة.
في السعودية، مرّ ثلاثة معمرين على هذه الأرض وكأنهم صفحات حية من التاريخ. عاشوا ما لم يعشه غيرهم، وشهدوا تحولات لم يبقَ لها شهود. لم يكونوا مجرد أرقام في سجلات الأعمار، بل حكايات بشرية تختصر معنى الامتداد الإنساني بين جيلٍ يندثر وآخر يولد.
الشيخ محمد بن زارع، الذي رحل عام 2013 عن عمر قُدِّر بنحو 154 عامًا، لم يكن أكبرهم سنًا فحسب، بل كان شجرة نسب كاملة تمشي على قدمين. ترك وراءه قرابة 180 فردًا من أبناء وأحفاد وذرية ممتدة، وكأن عمره الطويل تَحوّل إلى عائلة كاملة، وإلى حياة تتفرع منه كما تتفرع الأغصان من جذع عتيق.
أما الشيخ علي العلكمي، الذي ودّع الدنيا عام 2018 عن عمر ناهز 147 عامًا، فقد اختصر في كلماته الأخيرة مأساة المعمّرين: الوحدة. قال إن أبناء جيله جميعًا رحلوا، ولم يبقَ من يشاركه الحديث عن زمن مضى، ولا من يستعيد معه ذكريات الطفولة والشباب. كأن طول العمر، حين يتجاوز حدوده الطبيعية، يتحوّل من نعمة إلى عزلة صامتة، حيث يعيش الإنسان في زمن لا ينتمي إليه بالكامل.
ويأتي الشيخ عبدالله الواهبي، الذي رحل عام 2014 عن عمر 130 عامًا، ليضيف بعدًا آخر لهذه الحكاية الإنسانية. صام رمضان كاملًا في عامه الأخير، وأتبع ذلك بستة أيام من شوال، ثم مضى هادئًا، وكأن حياته الطويلة خُتمت بطقس روحي يعكس صبرًا وإيمانًا تراكم عبر عقود طويلة من الانتظار والمشاهدة.
هؤلاء المعمرون لم يكونوا مجرد قصص عن أعمار استثنائية، بل مرايا تعكس هشاشة الإنسان أمام الزمن. يطول به العمر، فتقصر دائرة من حوله، ويتسع ماضيه حتى يثقل حاضرَه. إنهم يذكروننا بأن طول الحياة ليس دائمًا وفرة في المعنى، وأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد السنين، بل بعمق الأثر الذي يتركه الإنسان في من حوله، وبالدفء الذي يحمله معه وهو يعبر الزمن وحيدًا.

زر الذهاب إلى الأعلى