أخبار وطنية

عاصمة الأوساخ: كيف تحوّلت نواكشوط إلى مكبّ مفتوح؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب ، انواكشوط

لم تعد نواكشوط مجرد عاصمةٍ مزدحمةٍ بنموٍّ عمراني عشوائي، بل تحوّلت في نظر كثير من سكانها إلى فضاءٍ طاردٍ للجمال، ومُستضيفٍ دائمٍ للأوساخ، والنفايات، والمياه الراكدة، ومكبّات القاذورات المفتوحة على مرأى ومسمع من الجميع.
مدينة يُفترض أن تكون واجهة البلاد، فإذا بها تعكس واقعًا من الفوضى وسوء التسيير وغياب الرؤية الحضرية.

● مدينة بلا نظام للنظافة… ولا كرامة للمكان
في أغلب أحياء نواكشوط، تتكدّس القمامة عند زوايا الطرق، وأمام البيوت، وفي محيط المدارس والمراكز الصحية. أكياس بلاستيكية ممزقة، بقايا أطعمة، مخلفات البناء، ومياه آسنة تتحوّل مع الوقت إلى بؤر للأمراض والروائح الكريهة.
ورغم مرور شاحنات النظافة أحيانًا، فإن العملية تظلّ موسمية وانتقائية، لا تخضع لنظام منتظم ولا لتخطيط شامل، ما يجعل المدينة تعيش في حلقة مفرغة: تنظيف مؤقت يعقبه تلوث دائم.

● تخلّف حضري في زمن العواصم الذكية
بينما تتسابق عواصم إفريقية عديدة لتحديث بنيتها التحتية وتحسين صورتها البيئية والعمرانية، تبدو نواكشوط وكأنها خارج الزمن.
شوارع محفّرة، أرصفة مكسّرة أو منعدمة، غياب مساحات خضراء حقيقية، وانعدام شبه كامل للحدائق العمومية المجهزة.
ليس التخلّف هنا مسألة موارد فقط، بل هو قبل ذلك أزمة إدارة حضرية، وغياب إرادة سياسية تجعل من “المدينة” أولوية وطنية.
أحياء مهمّشة… مواطنون من درجة ثانية

● تتعايش في نواكشوط مدينتان في مدينة واحدة:
أحياء محدودة تحظى بحدّ أدنى من الخدمات،
وأحياء واسعة تعيش خارج التغطية: لا صرف صحي، لا إنارة كافية، ولا خدمات نظافة منتظمة.
هذا التفاوت لا يخلق فقط فجوة عمرانية، بل يعمّق شعور الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الفقر من حالة اقتصادية إلى واقع مكاني دائم، حيث يولد المواطن في حيّ مهمّش ويموت فيه دون أن تلمس حياته أيّ تحسّن ملموس.

● من المسؤول؟
الحديث عن تدهور واقع نواكشوط لا يمكن أن يظلّ عامًا ومبهمًا.
المسؤولية تتقاسمها:
السلطات البلدية التي فشلت في فرض نظام فعّال للنظافة وإدارة النفايات،
القطاعات الحكومية المعنية بالتخطيط الحضري والبيئة،
إضافة إلى ضعف الرقابة على الشركات المكلّفة بالنظافة، إن وُجدت،
وغياب إشراك السكان في سياسات حضرية تقوم على الوعي والمساءلة.
لكن تحميل المواطن وحده مسؤولية رمي القمامة في الشارع هو تبسيط مخلّ؛ لأن السلوك الفردي يتشكّل داخل منظومة خدمات غائبة أو فاشلة. لا يمكن أن نطالب بسلوك حضاري في بيئة غير حضارية.

● تخلف انواكشوط.. نتيجة خيارات بدوية
وضع العاصمة اليوم ليس قضاءً وقدرًا، بل نتيجة سنوات من سوء التخطيط، وتراكم الإهمال، وتغييب المدينة عن أولويات السياسات العمومية.
المدينة يمكن أن تتحوّل إلى فضاء قابل للعيش، لو وُضعت خطة حقيقية تشمل:
▪︎ نظامًا دائمًا لإدارة النفايات،
▪︎ إعادة تأهيل الشوارع والأرصفة،
▪︎ خلق مساحات خضراء ومتنفّسات حضرية،
▪︎ فرض القانون على التعديات والفوضى العمرانية،
▪︎ربط السياسات الحضرية بمساءلة فعلية للمسؤولين المحليين.

نواكشوط اليوم ليست فقط واحدة من أكثر العواصم الإفريقية هشاشةً من حيث البنية والخدمات، بل هي مرآة لأزمة أعمق في إدارة الشأن العام.
وإذا استمرّ التعامل مع العاصمة كعبء إداري بدل كونها مشروعًا وطنيًا، فإنها ستظلّ مدينة تُنتج الأوساخ أكثر مما تُنتج الأمل، وتصدّر صورة التخلّف أكثر مما تعكس طموح دولة تبحث عن مكانها في القرن الحادي والعشرين.

زر الذهاب إلى الأعلى