أخبار وطنية

وجوه مُتعبة في بلد غنيّ بالفرص المهدورة” ..حين تُهزَم الكرامة في معركة البقاء اليومي

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي وكاتب ، انواكشوط

مظاهر البؤس واضحة في كل مكان ..
أحيانًا لا تحتاج المأساة إلى بيان رسمي ولا إلى تقرير إحصائي طويل؛ تكفي صورة واحدة لتقول كل شيء. صورة شاب أنهكته قسوة العيش، وفضحت على ملامحه سنوات من الحرمان، وهو يصارع يومه بلقمةٍ شحيحة وأملٍ يتآكل. هذه الصورة ليست استثناءً في مدننا وقُرانا، بل باتت مفردة يومية من مفردات حياة الطبقة الكادحة، لا تخطئها العين في طرقات المدن، ولا في أطراف الأحياء المنسية.
ما نراه اليوم ليس قدرًا محتومًا ولا “سوء حظ” عابرًا، بل نتيجة مباشرة لسوء التسيير، وغياب الحكامة الرشيدة، واستشراء الفساد والمحسوبية. حين تُدار الموارد العامة بمنطق الولاءات بدل الكفاءات، وحين تتحول فرص الشغل إلى غنائم تُوزّع داخل دوائر ضيقة، يصبح الفقر سياسة غير مُعلنة، وتغدو الهشاشة قدرًا يُفرض على ملايين البسطاء.
تتغذّى هذه الحلقة المفرغة من منظومة فساد تُعيد إنتاج البؤس: مشاريع تُعلن ولا تُنجز، ميزانيات تُرصد ولا تصل، وبرامج اجتماعية تتحول إلى واجهات إعلامية أكثر منها حلولًا جذرية. وفي ظل هذا الاختلال، يتراجع التعليم وتتسع رقعة الأمية، فيُحرَم الشباب من أدوات الصعود الاجتماعي، ويُدفَع بهم إلى هامش الاقتصاد غير المهيكل، حيث لا أمان وظيفي ولا كرامة مهنية.
إن انتشار الفقر ليس مجرد أزمة دخل، بل أزمة عدالة. الفقر حين يقترن بالمحسوبية يقتل الأمل مرتين: مرة حين يعجز الشاب عن إيجاد فرصة عادلة، ومرة حين يرى غير الأكفّاء يتقدمون بغير استحقاق. ومع كل إحباط جديد، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويكبر الشعور بأن الدولة بعيدة عن نبض الشارع، وأن السياسات العامة لا تُصمَّم على مقاس المحتاجين.
المطلوب اليوم ليس خطابات تعاطف موسمية، بل إصلاحات شجاعة: حكامة شفافة، ربط حقيقي للمساءلة بالمحاسبة، محاربة صارمة للفساد، وتوجيه فعلي للاستثمارات نحو خلق فرص عمل منتِجة، خصوصًا للشباب. كما أن كسر دائرة الفقر يمرّ عبر ثورة تعليمية تُعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، وتربط التكوين بحاجات السوق، وتمنح أبناء الطبقات الهشة فرصة عادلة للمنافسة.
قد نرفع أكفّ الدعاء لمن أنهكته الظروف، لكن الدعاء وحده لا يُغني عن واجب الدولة والمجتمع في صناعة شروط الكرامة. فحين تختصر صورة واحدة سيرة وطن مُنهَك، تكون تلك الصورة اتهامًا صريحًا لمنظومة تُنتج الفقر وتُديمه، وتذكيرًا بأن الكرامة ليست مِنّة، بل حقًّا يجب أن تُصان له السياسات وتُسخَّر له الموارد.

زر الذهاب إلى الأعلى