رمضان بين الدعم الموسمي وأزمة الاستيراد: هل هي إنجازات اجتماعية أم حلول إسعافية؟

أشرف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على إطلاق البرامج الاجتماعية الخاصة بشهر رمضان من ساحة المطار بولاية نواكشوط الشمالية، معلنًا ما وُصف بأنها أكبر عملية دعم اقتصادي واجتماعي موجهة للمواطنين خلال الشهر الفضيل.
البرنامج، الذي تنفذه الحكومة بشراكة مع القطاع الخاص، يتضمن بيع مواد غذائية بأسعار مدعومة، إلى جانب توزيعات غذائية ونقدية تستهدف مئات الآلاف من الأسر، عبر عدة قطاعات حكومية من بينها مفوضية الأمن الغذائي، ومندوبية “تآزر”، ووزارة الشؤون الإسلامية، ووزارة العمل الاجتماعي، إضافة إلى توزيع كميات من الأسماك المجانية.
وبحسب الأرقام الرسمية، ستستفيد عشرات الآلاف من الأسر من عمليات بيع مدعوم وتوزيعات مباشرة، مع تخصيص مئات الملايين من الأوقية الجديدة لتغطية هذه البرامج، وفتح نقاط بيع للحوم والأسماك والمواد الأساسية في نواكشوط وعواصم الولايات والوسط الريفي.
غير أن قراءة هذه الخطوة في سياقها الاقتصادي والاجتماعي تفتح بابًا أوسع للنقاش، يتجاوز الأرقام المعلنة إلى طبيعة النموذج الاقتصادي القائم نفسه.
● بين الدعم الموسمي وأزمة البنية الاقتصادية
لا خلاف على أن شهر رمضان يشهد ارتفاعًا في الطلب على المواد الغذائية، وأن تدخل الدولة لتخفيف الضغط عن الأسر الهشة يظل إجراءً اجتماعيًا مرحبًا به من حيث المبدأ. غير أن الإشكال الجوهري يكمن في كون هذه المبادرات تظل موسمية، مرتبطةفقط بشهر رمضان ، دون أن تعالج أصل الأزمة المتمثل في ضعف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار طوال العام.
فالمواد الغذائية المعروضة في أغلبها مستوردة: الأرز، السكر، الزيوت، الدقيق… وهي سلع تخضع لتقلبات الأسواق الخارجية وأسعار النقل وسعر صرف العملة. وهو ما يعني أن الدولة، بدل أن تعزز الإنتاج المحلي الزراعي والحيواني، تجد نفسها كل عام أمام فاتورة دعم لسلع لا تتحكم في كلفة إنتاجها ولا في سلاسل توريدها.
● مفارقة بلد غني… وسلة غذائية مستوردة
موريتانيا بلد يمتلك ثروة سمكية من الأغنى في المنطقة، ومساحات زراعية قابلة للاستصلاح، وثروة حيوانية كبيرة. ومع ذلك، ما يزال يعتمد بشكل واسع على الاستيراد لتأمين حاجته من الغذاء. هذه المفارقة تجعل من أي عملية بيع مدعوم حلًا إسعافيًا لا أكثر، لأنها لا تغير المعادلة الأساسية: اقتصاد ريعي يعتمد على الخارج لتأمين قوته اليومي.
إن تخصيص مئات الملايين من الأوقية لدعم الاستهلاك يثير سؤال الأولويات:
هل الأجدى الاستمرار في دعم الاستيراد كل موسم، أم توجيه جزء معتبر من هذه المبالغ إلى دعم الإنتاج المحلي، عبر تمويل التعاونيات الزراعية، وتطوير سلاسل التخزين والتحويل، وتحفيز الصناعات الغذائية الوطنية؟
● البعد السياسي للبرامج الاجتماعية
لا يمكن تجاهل أن إطلاق هذه البرامج يتم في سياق سياسي يسعى إلى تقديمها باعتبارها إنجازًا اجتماعيًا كبيرًا يعكس “قرب الدولة من المواطن”. غير أن المواطن، خاصة في الأحياء الشعبية والوسط الريفي، يقيس الإنجاز بمعايير مختلفة: استقرار الأسعار طوال العام، فرص عمل حقيقية، دخل كريم، وخدمات أساسية مستقرة.
فإذا كانت عشرات الآلاف من الأسر تحتاج سنويًا إلى بطاقات تموين وتوزيعات نقدية وغذائية، فذلك مؤشر على هشاشة اقتصادية بنيوية، لا يمكن معالجتها عبر مبادرات ظرفية مهما بلغت أهميتها.
● ما بين التضامن والإصلاح
الدعم الاجتماعي في رمضان يظل ضرورة أخلاقية واجتماعية، لكن تحويله إلى “عنوان إنجاز” يتطلب ربطه بإصلاحات هيكلية واضحة:
استراتيجية جادة لتحقيق الأمن الغذائي.
تقليص الاعتماد على الاستيراد.
دعم الإنتاج المحلي بشكل مستدام.
خلق فرص عمل تقلل من أعداد الأسر المصنفة “متعففة”.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد نقاط البيع المدعوم، ولا بحجم الأطنان الموزعة، بل بقدرة الدولة على تقليص الحاجة إلى هذه البرامج سنة بعد أخرى.
أما في ظل استمرار نفس المعادلة — اقتصاد استيرادي، بطالة مرتفعة، وتآكل في القدرة الشرائية — فإن البرامج الرمضانية ستظل إجراءً إسعافيًا يتكرر كل عام، ويُسوَّق بوصفه إنجازًا، بينما الواقع الاقتصادي العميق لم يتغير بعد.
تقرير : محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب







