الاقتصاد

ميناء انجاكو: شراكة تنموية أم تنازل سيادي؟

بمحمد عبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي , وكاتب  – نواكشوط

في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن “شراكة جديدة” بين الدولة والقطاع الخاص، يتجدد السؤال ذاته: هل نحن أمام إصلاح اقتصادي عقلاني، أم أمام حلقة أخرى من مسلسل التنازل عن الأصول السيادية؟
اليوم يعود الجدل بقوة مع الحديث عن تحويل ميناء انجاكو إلى صيغة شراكة بين القطاعين العام والخاص، في مشروع يُفترض أن يكون أحد أعمدة السيادة البحرية والاقتصاد الوطني.
لكن القضية أبعد من ميناء. إنها تتعلق بفلسفة الحكم الاقتصادي نفسها.

● الميناء ليس رصيفًا… بل قرار سيادي
ميناء بحري في دولة ساحلية مثل موريتانيا ليس مجرد بنية تحتية لتفريغ الحاويات.
هو بوابة للثروة السمكية، ومنفذ للتصدير، وأداة نفوذ جيوسياسي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
ومن يتحكم في الميناء، يتحكم في تدفق السلع، والرسوم، وفرص العمل، وحتى في موازين النفوذ الإقليمي.
فهل يجوز أن يُدار هذا الأصل الاستراتيجي بعقلية “الممول يبحث عن ربح”؟

● لماذا تلجأ الدولة إلى الشراكة؟
الحكومة تطرح مبررات تبدو منطقية:
ضعف التمويل العمومي.
كلفة البنية التحتية المرتفعة.
الحاجة إلى خبرة تشغيلية.
تقاسم المخاطر.
نظريًا، نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) أداة حديثة وفعالة، وقد نجح في دول عديدة.
لكن نجاحه مشروط بالشفافية، والتوازن التعاقدي، والرقابة الصارمة.
وهنا تبدأ المشكلة.

● التجربة الموريتانية: شراكة أم خصخصة مقنّعة؟
التجارب السابقة في إدارة الثروات – من الصيد إلى المعادن – أظهرت نمطًا مقلقًا:
عقود غير منشورة للرأي العام.
امتيازات ضريبية واسعة.
تحويل أرباح إلى الخارج.
ضعف الرقابة البرلمانية.

● تحميل الدولة لاحقًا كلفة الإخفاق
في كثير من الحالات، تتحمل الدولة المخاطر، بينما يحصد المستثمر الأرباح.
فأين هي “الشراكة” إذا اختل ميزان القوة منذ لحظة التفاوض؟
لماذا تبدو الدولة دائمًا في موقع المتنازل؟
هناك أسباب بنيوية لا يمكن تجاهلها:
1. هشاشة موقع التفاوض
اقتصاد محدود الحجم، حاجة ملحة للتمويل، وضغط سياسي لإنجاز سريع. هذه العوامل تجعل الدولة تدخل المفاوضات من موقع ضعف.
2. غياب رؤية استراتيجية طويلة المدى
غالبًا ما يُنظر إلى المشروع كحلٍّ آني لأزمة تمويل، لا كجزء من تصور سيادي لعقود قادمة.
3. تغليب منطق الربح على منطق المصلحة العامة
القطاع الخاص يسعى بطبيعته إلى تعظيم أرباحه، بينما دور الدولة هو حماية المصلحة الوطنية. وعندما تضعف الدولة رقابيًا، تميل الكفة تلقائيًا لصالح المستثمر.

● ميناء انجاكو… بين الحاجة والهيبة
لا أحد ينكر أن مشروع الميناء تعثر لسنوات.
ولا أحد يجادل في حاجة الجنوب الموريتاني إلى بنية تحتية بحرية تعزز التنمية المحلية وتخلق فرص عمل.
لكن السؤال الجوهري ليس:
هل نحتاج شريكًا؟
بل:
بأي شروط؟ ولمصلحة من؟
إذا كانت الشراكة تعني:
نشر العقد للرأي العام،
تحديد مدة الامتياز بوضوح،
ضمان نسبة عادلة من الأرباح للدولة،
إلزام المستثمر بتشغيل اليد العاملة الوطنية،
خضوع المشروع لرقابة مالية مستقلة،
وضمان عودة الأصل للدولة بحالة جيدة بعد انتهاء الامتياز،
فهي شراكة تنموية.
أما إذا كانت تعني:
منح امتياز طويل الأمد بلا شفافية،
إعفاءات ضريبية مفتوحة،
سيطرة تشغيلية شبه كاملة للمستثمر،
غياب رقابة حقيقية،
فهذه ليست شراكة… بل خصخصة مؤجلة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح علنًا

● لماذا لا تُنشر تفاصيل الاتفاقيات؟
لماذا لا يُفتح نقاش برلماني ومجتمعي واسع؟
لماذا يتحول كل مشروع استراتيجي إلى ملف مغلق حتى لحظة التوقيع؟
الدولة القوية لا تخشى الشفافية.
والشراكة الحقيقية لا تخاف من الضوء.

القضية ليست ضد القطاع الخاص
القطاع الخاص شريك ضروري في أي اقتصاد حديث.
لكن الشراكة لا تعني التفريط، والتحديث لا يعني التخلي عن أدوات السيادة.

● ميناء انجاكو اختبار حقيقي:
إما أن يكون نموذجًا لعقد متوازن يحفظ مصالح الدولة ويجذب الاستثمار،
أو يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة “تنازلات الضرورة” التي تُبرر بالحاجة وتُدفع ثمنها الأجيال.
في النهاية، المسألة ليست ميناءً فقط.
المسألة هي:
هل نملك دولة تفاوض من موقع سيادة؟
أم دولة تبيع الوقت مقابل السيولة؟
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين التنمية… والتبعية.

زر الذهاب إلى الأعلى