صراع الأجنحة وطموح الخلافة: هل يمهّد ولد أجاي الطريق لمرحلة ما بعد غزواني؟

في كواليس السلطة، لا تجري اللقاءات خارج المكاتب الرسمية عبثًا، ولا تُعقد بعيدًا عن أعين المؤسسات بلا أهداف أبعد من “نقاش ودي”. ما يُتداول بشأن اللقاء الذي جمع النقيب السابق ولد بوحبيني بوزير أول موريتانيا المختار ولد أجاي يضعنا أمام مشهد سياسي تتداخل فيه الطموحات الشخصية مع صراعات الأجنحة، في لحظة دقيقة من عمر النظام.
بحسب الرواية المتداولة، لم يكن اللقاء إداريًا عاديًا، بل أقرب إلى عرض سياسي مغلق، استعرض خلاله ولد أجاي ما يسميه “مشروعه الإصلاحي”، متحدثًا عن عراقيل داخلية، ومهاجمًا أجنحة أخرى في السلطة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان الهدف إقناع ضيفه بجدوى الإصلاح، أم استقطابه في معركة تموضع مبكرة داخل النظام؟
كثير من المراقبين يرون أن تحركات ولد أجاي في الآونة الأخيرة لا يمكن فصلها عن طموح أكبر يتمثل – وفق قراءات سياسية متداولة – في السعي لتقديم نفسه كخليفة محتمل للرئيس محمد ولد الغزواني في مرحلة ما بعد المأمورية. هذا الطموح، إن صحّ، يفسر حدة خطابه تجاه خصومه داخل السلطة، ومحاولاته بناء شبكة داعمين سياسيين وإعلاميين.
غير أن المعضلة الكبرى التي تواجه هذا المسار المحتمل تكمن في الصورة الشعبية للوزير الأول. فسياساته الضريبية الأخيرة وُوجهت بانتقادات واسعة من تجار وطبقات متوسطة وفاعلين اقتصاديين، يعتبرونها “جباية مرهقة” أثقلت كاهل المواطنين في ظرف اقتصادي صعب. وفي النقاش العام، تتكرر اتهامات من خصومه بأنه يمثل امتدادًا لنهج مالي لا يراعي الهشاشة الاجتماعية، وهو ما ساهم – بحسب منتقديه – في اتساع فجوة الثقة بين الحكومة وشرائح واسعة من المجتمع.
أكثر من ذلك، يضع بعض معارضيه اسمه ضمن قائمة رموز مرحلة سابقة يتهمها الرأي العام بالفساد وسوء التسيير، وهي اتهامات ظلت حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي، وإن لم تصدر بشأنها أحكام قضائية تدينه شخصيًا. ومع ذلك، فإن مجرد ارتباط اسمه في المخيال العام بتلك المرحلة يشكل عبئًا سياسيًا ثقيلًا على أي طموح مستقبلي.
أما إدخال أطراف أخرى إلى اللقاء – كما يُروى – والإشادة العلنية بسياساته أمام الضيف، فيُقرأ على أنه محاولة ضغط رمزية: إما الاصطفاف، أو البقاء خارج دوائر النفوذ الصاعد. وهو أسلوب يعكس، في نظر منتقدين، أن الصراع داخل النظام لم يعد مكتومًا، بل بدأ يتخذ طابعًا تنافسيًا مبكرًا حول خلافة محتملة.
في المحصلة، سواء كانت هذه التحركات تمهيدًا فعليًا لمعركة ما بعد غزواني، أو مجرد إعادة ترتيب للأوراق داخل الحكومة، فإن التحدي الأكبر أمام ولد أجاي لا يتمثل في خصومه داخل السلطة، بل في الرأي العام. فالمعادلات الداخلية قد تُحسم بالتوازنات، لكن معركة الشرعية الشعبية تُحسم بالصورة والثقة. وأي طموح رئاسي مستقبلي لا يمر أولًا عبر استعادة تلك الثقة سيظل مشروعًا محفوفًا بالمخاطر، مهما كانت حسابات القوة داخل النظام.







