حين تُطالب السلطة الفقراء بالتقشف… من يراجع سياسات الإفقار؟

في مشهد يعكس مفارقة صارخة بين واقع المواطنين وخطاب السلطة، خرج والي ولاية لعصابه، أحمدو ولد اخطيره، بتوجيهات تدعو سكان مدينة كيفه إلى “تبني سلوكيات جديدة” قوامها التقشف الصارم، وكأن الأزمة الاقتصادية التي تثقل كاهل الأسر هي مجرد خلل في عادات الاستهلاك، لا نتيجة خيارات وسياسات عامة.
الوالي، الذي خاطب السكان بلغة أقرب إلى الوصاية الاجتماعية، لم يتردد في اقتراح تقليص عدد “أبراد” الشاي، والاستغناء عن وجبة العشاء، بل وحتى عدم الاحتفاظ بالطعام لمن قد يتأخر من أفراد الأسرة. توصيات تبدو، في ظاهرها، دعوة للترشيد، لكنها في عمقها تعكس تصورًا اختزاليًا للأزمة، يُحمّل المواطن مسؤولية الاختلالات بدل مساءلة صانعي القرار.
فهل المشكلة فعلًا في “كثرة الشاي”؟ أم في واقع اقتصادي يرزح تحت وطأة البطالة وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية؟ وهل يمكن لعائلة بالكاد تؤمن قوت يومها أن “تقلّص أكثر” دون أن تنزلق إلى ما دون الحد الأدنى من الكرامة المعيشية؟
الأكثر إثارة للجدل هو دعوة الوالي إلى الاستغناء عن وجبة العشاء، وكأن الفقر لم يعد حالة طارئة يجب معالجتها، بل نمط عيش يُنصح بتبنيه. هنا يتحول التقشف من خيار اقتصادي مؤقت إلى وصفة دائمة تُفرض على الفئات الهشة، في وقت لا تُطرح فيه أي إجراءات موازية لضبط الأسعار، أو دعم الإنتاج، أو محاربة الفساد.
أما حديثه عن دعم قنينات الغاز، والذي تتحمل فيه الدولة – بحسب قوله – نحو 6 آلاف أوقية، فيُستخدم لتبرير مزيد من الضغط على المواطن، بدل أن يكون مدخلًا لنقاش أوسع حول عدالة توزيع الدعم، وفعالية السياسات الاجتماعية، وأين تذهب الموارد العمومية.
المفارقة الكبرى أن دول الجوار، رغم تعرضها لظروف اقتصادية مماثلة أو حتى أشد تعقيدًا، لم تلجأ إلى هذا النوع من الخطاب الذي يطالب المواطنين بالتخلي عن أساسيات العيش. بل سعت – بدرجات متفاوتة – إلى تعزيز الإنتاج المحلي، ودعم الفئات الهشة، وتخفيف الأعباء بدل نقلها بالكامل إلى كاهل المواطن.
إن ما يحتاجه سكان كيفه، وموريتانيا عمومًا، ليس دروسًا في تقليل استهلاك الشاي، بل سياسات اقتصادية واضحة تعالج جذور الأزمة: من خلق فرص العمل، إلى ضبط الأسواق، مرورًا بمحاربة الفساد وترشيد الإنفاق العمومي.
فالتقشف الذي يبدأ من موائد الفقراء، وينتهي عند حدود صمت السلطة، ليس إصلاحًا… بل إعادة إنتاج للأزمة بوجه أكثر قسوة.







