حريق محطة صوملك.. حين تتحول الزبونية والفساد إلى خطر يهدد حياة المواطنين

لم يكن الحريق القوي الذي اندلع اليوم السبت في محطة تحويل الكهرباء التابعة للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» مجرد عطب فني عابر، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثاً تقنياً ينتهي بمجرد إخماد النيران وإعادة التيار الكهربائي.
فحين يحترق مرفق كهربائي استراتيجي، وتتوقف الخدمة عن معظم أحياء تفرغ زينة وأجزاء واسعة من لكصر والسبخة، وتتأثر منشآت حيوية مثل مطار أم التونسي الدولي وميناء تانيت، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بسبب اشتعال المحطة، بل بكيفية وصول قطاع حيوي إلى هذه الدرجة من الهشاشة.
إن أزمة الكهرباء في موريتانيا ليست وليدة اليوم. إنها نتيجة تراكم طويل من الاختلالات في التسيير، وضعف الصيانة، وغياب التخطيط الجاد، فضلاً عن منظومة من الزبونية والمحسوبية التي جعلت الكفاءة في كثير من الأحيان أقل أهمية من الولاء والعلاقات والنفوذ.
صوملك.. مؤسسة استراتيجية تدفع ثمن سوء التسيير
تُعد «صوملك» من أكثر المؤسسات حساسية في حياة المواطن والاقتصاد الوطني. فالكهرباء ليست امتيازاً يمكن الاستغناء عنه، وإنما خدمة أساسية ترتبط بالمياه والصحة والتعليم والاقتصاد والأمن وحتى عمل المؤسسات السيادية.
ومع ذلك، ظل القطاع يعاني على مدى سنوات من أعطاب متكررة، وانقطاعات متواصلة، وشبكات تحتاج إلى التأهيل، ومحطات ومحولات تتعرض لضغوط متزايدة.
والأخطر من ذلك أن النقاش العمومي حول الكهرباء غالباً ما يركز على الأعطاب الظاهرة، بينما يتجنب السؤال الأكبر: من المسؤول عن منظومة الصيانة والاستثمار والرقابة التي يفترض أن تمنع مثل هذه الكوارث قبل وقوعها؟
عندما تحل الزبونية محل الكفاءة
المشكلة لا تكمن فقط في المعدات، وإنما في طريقة إدارة المؤسسات العمومية.
فالزبونية السياسية والاجتماعية، عندما تتسلل إلى مؤسسات استراتيجية، تتحول من مجرد خلل إداري إلى خطر على الدولة والمواطن. وعندما يصبح التعيين قائماً على القرب والولاء بدلاً من الخبرة والكفاءة، فإن النتائج تظهر عاجلاً أو آجلاً في شكل مشاريع متعثرة، وصفقات مشبوهة، وصيانة مؤجلة، ومعدات متهالكة، وخدمات رديئة.
قطاع الكهرباء يحتاج إلى مهندسين وفنيين متخصصين، وإدارة مهنية مستقلة، ونظام صارم للصيانة الوقائية، ومراقبة مستمرة للمحطات والشبكات، وليس إلى توزيع المناصب باعتبارها مكافآت سياسية أو اجتماعية.
الفساد لا يظهر دائماً في شكل اختلاس مباشر
من الخطأ اختزال الفساد في سرقة الأموال فقط.
هناك فساد أخطر يتمثل في إهمال الصيانة، وسوء اختيار المعدات، وضعف الرقابة، وتضخيم الصفقات، وعدم محاسبة المسؤولين عن التقصير.
وقد تكون فاتورة هذا النوع من الفساد أكبر بكثير من قيمة الأموال التي يتم اختلاسها، لأن المواطن هو الذي يدفع الثمن في النهاية: انقطاع الكهرباء، تعطل المصالح، تلف الأجهزة، توقف المؤسسات، وخسائر اقتصادية بالمليارات.
ولهذا فإن التحقيق في حريق محطة التحويل يجب ألا يتوقف عند السؤال: كيف اشتعلت النيران؟ بل ينبغي أن يمتد إلى أسئلة أكثر أهمية:
من قام بآخر عملية صيانة للمحطة؟
متى جرى فحص معدات الحماية والسلامة؟
هل كانت المحطة تعمل وفق المعايير الفنية المطلوبة؟
هل توجد تقارير سابقة تحذر من أعطاب أو مخاطر؟
ما حجم الأموال التي خصصت للصيانة خلال السنوات الماضية؟
ومن حصل على صفقات التوريد والصيانة؟
وهل تمت عمليات الاستلام والمراقبة وفق المعايير القانونية والفنية؟
المطلوب ليس بيان اعتذار.. بل تحقيق شفاف
اعتذار «صوملك» للمشتركين مفهوم، لكن الاعتذار وحده لا يكفي.
المطلوب هو فتح تحقيق فني وإداري مستقل، ونشر نتائجه أمام الرأي العام، وتحديد المسؤوليات بوضوح، والكشف عن حقيقة الأضرار وكلفة الإصلاح، ومعرفة ما إذا كان الحريق نتيجة عطل مفاجئ لا يمكن توقعه، أم نتيجة تراكم الإهمال وضعف الصيانة.
كما ينبغي أن تتحول هذه الحادثة إلى مناسبة لإعادة النظر بصورة شاملة في طريقة تسيير قطاع الكهرباء، بعيداً عن الحسابات السياسية والزبونية والمحسوبية.
فالدولة التي تريد بناء اقتصاد حديث لا يمكن أن تترك قطاعاً استراتيجياً مثل الكهرباء رهينة للارتجال.







