غاز GTA.. لماذا تسبق السنغال موريتانيا إلى أنبوب المواطن؟

في الوقت الذي وضعت فيه السنغال اليوم أول أنبوب ضمن شبكة الغاز التي ستنقل حصتها من إنتاج حقل الغاز المشترك «GTA»، يبدو السؤال في موريتانيا أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: متى تتحول ثروة الغاز إلى منفعة حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
فقد أشرفت السلطات السنغالية، من بلدة «غاندون»، على انطلاق مشروع يمتد لنحو 85 كيلومترًا، منها 45 كيلومترًا من الأنابيب البحرية و40 كيلومترا على اليابسة، لنقل الغاز إلى محطة توليد الكهرباء.
وبحسب المعطيات المعلنة، سينقل الخط في مرحلته الحالية نحو 35 مليون قدم مكعب يوميا من غاز حقل GTA، بينما صُممت الشبكة بطاقة تصل إلى نحو 300 مليون قدم مكعب يوميا، تحسبًا للتوسعات المستقبلية.
قد يقول قائل إن المقارنة ليست متطابقة؛ فالخط السنغالي موجه أساسًا إلى إنتاج الكهرباء، وليس إلى توزيع غاز الطهي مباشرة على المنازل. وهذا صحيح من الناحية التقنية.
لكن جوهر القضية مختلف: السنغال تفكر في البنية التحتية التي تجعل الغاز موردا وطنيا قابلا للاستخدام، بينما يظل المواطن الموريتاني يتساءل عن نصيبه من هذه الثروة.
فلماذا لا تضع موريتانيا خطة واضحة ومعلنة لاستعمال جزء من موارد الغاز في تخفيض كلفة الطاقة على المواطنين، وتطوير شبكات التوزيع، وتحسين توفر غاز الطهي، والحد من هيمنة الوسطاء والمضاربات؟
المشكلة ليست في التاجر وحده، ولا يجوز اختزال أزمة الغاز في تحميل المسؤولية للبائع الصغير. عندما تصبح سلعة أساسية مرتبطة بحياة الأسر خاضعة لتقلبات السوق وارتفاع الأسعار وضعف الرقابة، فإن المسؤولية الأولى تقع على السياسة العمومية:
أين التخطيط؟ وأين البنية التحتية؟ وأين آليات حماية المستهلك؟
المواطن الموريتاني لا يريد أن يسمع فقط عن مليارات الدولارات من الاستثمارات، ولا عن كميات الغاز المنتجة والمصدرة، ولا عن المؤشرات الكبرى للمشاريع.
يريد أن يرى أثر الغاز في فاتورة الكهرباء، وفي سعر الطاقة، وفي توفر غاز الطهي، وفي تحسين الخدمات، وفي فرص العمل، وفي مستوى معيشته.
الثروة الطبيعية لا تصبح ثروة وطنية بمجرد استخراجها من باطن الأرض؛ وإنما تصبح كذلك عندما تتحول إلى طاقة أرخص، وخدمات أفضل، وصناعة أقوى، وفرص عمل، وحياة أكثر كرامة للمواطن.
ومن هنا، فإن تجربة السنغال تفرض على الحكومة الموريتانية سؤالا مشروعا:
إذا كان الغاز موجودا تحت أقدامنا، فلماذا يظل المواطن بعيدا عن منافعه؟
ولماذا لا تكون هناك، منذ الآن، استراتيجية وطنية واضحة لتوجيه جزء من الغاز نحو السوق المحلية، وبناء البنية التحتية اللازمة لذلك، بدل ترك المواطن رهينة لسلسلة طويلة من التجار والوسطاء والمضاربات؟
غاز GTA ليس مجرد رقم في بيانات الشركات والدول؛ إنه مورد وطني مشترك، والمواطن من حقه أن يسأل: ماذا سيغير هذا الغاز في حياتي؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي سياسة غازية:
ليس كم قدما مكعبًا استخرجنا، وإنما كم مشكلة حُلت للمواطن بفضل هذا الغاز؟
محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب ، صحفي ، انواكشوط







