أخبار وطنية

الدكتورة عيساتا با يحيى.. من رسالة الطب إلى رحاب القرار الرئاسي

● مسار علمي ومهني متدرج، وتجربة إدارية تعكس قيمة الكفاءة والالتزام وخدمة المجتمع

ليست كل المسارات التي تقود إلى مراكز القرار تبدأ من دهاليز السياسة؛ فبعضها ينطلق من قاعات الدراسة، ويمر عبر المستشفيات ومؤسسات الخدمة العامة، قبل أن يصل إلى مواقع المسؤولية العليا. وتقدم الدكتورة عيساتا با يحيى نموذجًا لهذا المسار، الذي جمع بين التكوين العلمي في الطب، والخبرة في إدارة المؤسسات الصحية، ثم تحمل المسؤوليات الحكومية وصولا إلى منصب وزيرة مستشارة برئاسة الجمهورية.

وإذا كانت المناصب الرسمية تمنح أصحابها مكانة اعتبارية، فإن القيمة الحقيقية لأي تجربة مهنية تظل مرتبطة بما يحمله صاحبها من كفاءة، وما يبديه من التزام، وما يتركه من أثر في محيطه المهني والاجتماعي.

من الطب إلى خدمة المجتمع

وُلدت الدكتورة عيساتا با يحيى في 25 أغسطس 1967، وتخرجت طبيبة عام 1995 من كلية الطب بأبيدجان في ساحل العاج، قبل أن تتخصص في أمراض النساء والتوليد، وتواصل تطوير تكوينها العلمي بالحصول على شهادة الماجستير في الصحة العامة من جامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار خلال الفترة 2020–2022.

ويعكس هذا المسار الأكاديمي حرصًا على الجمع بين التخصص الطبي والتكوين في الصحة العامة، بما يتيح فهمًا أوسع للتحديات الصحية، لا من زاوية العلاج الفردي فحسب، بل أيضًا من منظور السياسات الصحية والوقاية وتحسين جودة الخدمات.

وقد بدأت تجربتها المهنية في المؤسسات الصحية بنواكشوط، حيث عملت في مستشفى الشيخ زايد والمستشفى الوطني،  ومديرة لمستشفي الأم والطفل، قبل أن تتولى مسؤوليات إدارية ومهنية، وأن ترتبط بالعمل الجمعوي من خلال الجمعية الموريتانية «SOS نساء الريف»، المعنية بقضايا المرأة الريفية والتوعية الصحية.

وتمنح هذه المحطات لمسارها بعدا إنسانيا واجتماعيا، إذ تتجاوز رسالة الطب حدود المهنة لتلامس قضايا المرأة والأسرة والفئات التي تحتاج إلى مزيد من الرعاية والاهتمام.

إدارة المؤسسات الصحية.. مسؤولية تتجاوز التسيير

شكلت إدارة مستشفى الأمومة والطفولة بنواكشوط محطة بارزة في تجربتها المهنية، إذ تولت هذه المسؤولية خلال الفترة 2009–2018

وتكتسب إدارة مؤسسة صحية متخصصة من هذا النوع أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها بصحة الأمهات والأطفال، وما تتطلبه من قدرة على تنظيم الخدمات، ومواكبة الاحتياجات الطبية، والتعامل مع تحديات القطاع الصحي.

كما ارتبطت تجربتها في هذا المجال ببرامج تتعلق برعاية النساء ضحايا العنف، والتكفل بالناسور الولادي، وتعزيز خدمات الصحة الإنجابية.

ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على الخبرة الإدارية التي اكتسبتها، بل تكمن أيضا في طبيعة القطاع الذي عملت فيه؛ فالصحة مجال تتقاطع فيه الكفاءة المهنية مع المسؤولية الأخلاقية، وتقاس فيه قيمة العمل بمدى مساهمته في صون كرامة الإنسان وتحسين ظروف حياته.

وإلى جانب مسارها العلمي والمهني، تبرز في الصورة التي يقدمها هذا البروفايل أهمية السلوك الشخصي والتعامل الإنساني في العمل العام؛ فحسن المعاملة والتواضع واحترام الآخرين صفات تمنح المسؤول رصيدا معنويا، وتساعده على بناء علاقات مهنية قائمة على الثقة والتقدير المتبادل.

من الأمانة العامة للحكومة إلى رئاسة الجمهورية

في 4 يوليو 2023، عينت الدكتورة عيساتا با يحيى وزيرة أمينة عامة للحكومة، في موقع يرتبط بتنسيق العمل الحكومي وجوانبه الإدارية والتنظيمية. وفي 5 أغسطس 2024، انتقلت إلى منصب وزيرة مستشارة برئاسة الجمهورية.

ويعكس هذا الانتقال اتساع نطاق تجربتها، من المجال الطبي والإدارة الصحية إلى المسؤولية الحكومية، ثم إلى مؤسسة الرئاسة، حيث تكتسب الخبرة الإدارية والقدرة على التعامل مع الملفات المتعددة أهمية خاصة.

ويمكن قراءة هذا التطور المهني بوصفه انتقالا بين مجالات مختلفة في طبيعتها، لكنها تلتقي في الحاجة إلى الانضباط، وحسن التقدير، والقدرة على تحمل المسؤولية.

ومع ذلك، فإن تحديد طبيعة إسهامها في العمل الرئاسي يظل مرتبطا بالملفات التي تسند إليها وبالاختصاصات التي تمارسها فعليا ؛ وهي تفاصيل لا يكشف عنها المسمى الوظيفي وحده.

الكفاءة والأخلاق.. رصيد المسؤولية العامة

إن ما يستحق التوقف عنده في تجربة الدكتورة عيساتا با يحيى هو تنوع محطاتها المهنية، واستمرارها في تطوير تكوينها العلمي، وانتقالها من ممارسة الطب إلى إدارة المؤسسات ثم تحمل المسؤوليات الحكومية.

فالمسؤولية العامة لا تحتاج إلى المعرفة وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى أخلاق المهنة، واحترام الناس، والقدرة على الإنصات والتعامل المتزن مع اختلاف المواقع والآراء. وحين تجتمع الخبرة مع السلوك الحسن، تصبح المسؤولية فرصة لخدمة المجتمع، لا مجرد وسيلة للارتقاء الوظيفي.

ومن الإنصاف في تناول الشخصيات العامة أن يعترف بما تحمله سيرها من جوانب إيجابية، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بالمناصب والألقاب. كما أن الإشادة المهنية الأكثر مصداقية هي تلك التي تستند إلى وقائع واضحة، وتترك للنتائج الموثقة مجالها في تقييم الأداء.

تقدم الدكتورة عيساتا با يحيى صورة لمسار مهني جمع بين العلم والعمل الميداني والإدارة والمسؤولية الحكومية، وصولا  إلى رئاسة الجمهورية. وهي تجربة تستحق القراءة من زاوية أهمية التكوين المستمر، وتراكم الخبرة، والانتقال بين قطاعات مختلفة في خدمة الشأن العام.

وبين شهادة الطب ومواقع القرار، تبقى قيمة الإنسان والمسؤول في قدرته على الجمع بين الكفاءة والتواضع، وبين المكانة الرسمية واحترام الآخرين، وبين الطموح المهني والإحساس بمسؤولية خدمة المجتمع.

إن الإشادة بمسار الدكتورة عيساتا با يحيى ليست مجرد احتفاء بالمناصب التي شغلتها، بل تقدير لأهمية العلم والخبرة والعمل المسؤول، ولما يمكن أن يقدمه حضور الكفاءات المهنية في مؤسسات الدولة من قيمة مضافة، متى اقترن ذلك بحسن السلوك والحرص على المصلحة العامة.

 

 

محمدعبد الرحمن ولد عبدالله

كاتب صحفي medabd388@gmail.com

انواكشوك – موريتانيا

 

زر الذهاب إلى الأعلى