غبن مستدام… باسم “الطبقات المغبونة” وعلي أكتافها.!!
محمدعبد الرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي ، أنواكشوط
في كل موسم من مواسم الخطابة الوطنية، يعود مصطلح “الطبقات المغبونة” إلى الواجهة، مزيَّنًا بالعناوين الرنّانة، محاطًا بالتصفيق، ومتدثرًا بخطابات تبدو للوهلة الأولى ثورية، لكنها عند التمحيص لا تتجاوز كونها طُعماً سياسياً سرعان ما يُرمى بعد انفضاض الجموع.
ففي الوقت الذي يرفع فيه البعض شعار الميثاق من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين، ويتم الترويج لـ”العدالة الاجتماعية” و”مناهضة الغبن”، نجد أن الخطاب سرعان ما يُختَزل في مكوّن واحد، وتُقصى مكونات أخرى لا تقل تهميشًا ولا ألمًا، وكأن العدل لا يتحقق إلا عندما يكون موجّهًا حسب الطلب، ولخدمة مصالح محددة سلفًا.
وما يزيد الطين بلة، هو أن تلك الشعارات العريضة سرعان ما تُختطف من قِبل نخب لا تمثل القواعد التي تدّعي الدفاع عنها، نخب تسكن الأبراج، وتحضر المناسبات، وتلتقط الصور، ثم تعود أدراجها إلى مكاتبها ومناصبها، تاركة خلفها شبابًا ضائعًا بين أحلام التمكين وكوابيس التسييس.
هل يحتاج شباب لحراطين، أو غيرهم من المهمشين، إلى تعبئة جديدة بشعارات قديمة؟ أم أنهم بحاجة إلى فرص فعلية: تعليم حقيقي، وظائف تحفظ الكرامة، آليات تمويل تنقذهم من دوامة الفقر، ومساحات حرة للتعبير عن ذواتهم لا عن أهواء غيرهم؟
إن خطورة هذا النمط من الخطاب، تكمن في أنه يحوّل المعاناة الاجتماعية إلى استثمار سياسي، ويستبدل الحلول الواقعية بالمزايدات، فيصبح التهميش نفسه سلعة، وتُختزل قضايا الغبن في مهرجانات موسمية تُنظَّم بعناية وتُنسى بسرعة.
آن الأوان لأن نطرح السؤال الجريء:
من المستفيد من بقاء الغبن؟ ومن الذي يخشى أن تُحلّ هذه القضايا فعلًا؟
إن من يُردّد الشعارات ولا يقدّم الحلول، لا يختلف كثيرًا عمن يصنع الغبن في صمت. وبين الصمت والخطابة، يضيع الحق، وتُجهض الفرص، ويبقى الشباب ضحيةً دائمةً في لعبة لم يعد فيها مكان للبراءة.