ثقافة

قبيلةالشرفاء أركيبات: سيف الجهاد الذي قطع دابر المستعمرين

تحقيق :

محمدعبدالرحمن ولد  عبدالله

medabd388@gmail.com

كاتب صحفي ، اواكشوط

 

 

في رمال الصحراء الكبرى، حيث لا ينجو إلا الأقوياء، نشأت قبيلة الشرفاء  أركيبات تحمل في عروقها مجد السيوف ونبل الفروسية.وقدسية الشرف،ليست مجرد قبيلة عربية  عابرة، بل هي عنوان للبسالة والعزيمة، وسِجلٌّ ناصع من البطولات التي سُطّرت بدماء أبنائها المجاهدين  على صفحات التاريخ.

أركيبات لم تكن يومًا رقما في معادلات القبائل، بل كانت أمة،  موقفا وشجاعة، روحا لا تنكسر في وجه الظلم، وصوتا لا يلين أمام البنادق الفرنسية ولا تغريه وعود المستعمر. حمل رجالها البنادق والسيوف، كما حملوا القيم والمروءة، فكانوا درعا واقيا لوطنهم، وراية مرفوعة في وجه الظلم والطغيان.

لقد علمت أركيبات الأجيال أن العزة لا تشترى، وأن الشرف لا يورث إلا بالتضحيات. ومن صحارى الشمال الموريتاني الي وسط البلاد جنوبها وشرقها ، سطررجالها بطولات خالدة في صفحات التاريخ. العمليات البطولية ضد الاستعمار الفرنسي أكثر من أن  تعد او تحصي.!

تكبد الفرنسيين مأت القتلي والجرحي وغنم مقاتلواركيبات مغانم كثيرة من السلاح  والمؤن ،والمعدات.وفي كل شبر من أرض موريتانيا هنالك بطولات تروي وامجاد تاريخية، شاهدة على أن الشجاعة ليست مجرد فعل، بل عقيدة تغرس في القلوب منذ المهد إلي اللحد.

■ التحالفات القبلية… ورفض الاستقطاب

سعى المستعمر – كما في معظم حملاته الإفريقية – إلى شق القبائل وزرع الفتن بينها، فعرض الامتيازات على البعض، وحرض فروعا ضد أخرى، واستغل الخصومات القبلية القديمة في سبيل تثبيت نفوذه.متبعا سياسة فرق تسد.

لكن قبيلة الشرفاء  أركيبات، رغم تنوع  فروعها المتعددة داخل موريتانيا وخارجها وجغرافيةتوزيعها الديمغرافي  بين الحوضين وتيرس وآدرار،وإينشري  وانواذيبو،حافظت هذه القبيلة الشريفة العظيمة،على وحدة الموقف الرافض للتبعية، وأفشلت مخططات الفرقة، بل إنها ساهمت في تقوية اللحمة بين القبائل المقاومة، وشاركت مع حلفائها التقليديين من أولاد دليم  وغيرهم في صد الحملات الفرنسية المتكررة للفرنسيين داخل موريتانيا.

وقد سجلت تقارير الاستخبارات الفرنسية في تلك الفترة أن “الركيبات ما زالوا يشكلون تهديدا مستمرا للوجود الفرنسي، بسبب قدرتهم على التحرك، وارتباطهم الاجتماعي العميق،وتأثيرهم الإجتماعي العسكري والسياسي. وحساسيتهم الشديدة تجاه السيادة الأجنبية”.

■ الزواياالعلمية .. جبهة أخرى للمقاومة

لم تكن المقاومة دائمًا مسألة بنادق وسيوف. فبين خيام الركيبات وزواياهم،العلمية نشأت مدارس علمية لعبت دورا حاسما في نشر العلم وتوعية الشباب، ورفض التطبيع مع المستعمر.
كانت الخطب، والفتاوى، والأشعار،والمراسلات  تحرض على الاستقلال، وتزرع في النفوس كراهية الخضوع، وهو ما جعل المستعمر يصنف الزوايا العلمية اركيبية ضمن “مراكز التحريض الخطيرة”، ويضع بعض علمائها تحت المراقبة أو الإبعاد القسري.

■ من رمال المقاومة إلى مفترق الاستقلال

مع دخول البلاد في مرحلة “تهدئة السلاح” بعد 1934، كانت قبيلة أركيبات من بين القبائل التي لم توقع استسلاما، ولا سلاما مع المستعمر، بل انسحبت تكتيكيًا إلى مناطق انتشارها المتعددة،، في العمق الموريتاني ،لتعيد ترتيب صفوفها في المعركة الكبرى: معركة البقاء،العسكري و الثقافي والهوية.وواصلت هجماتها القوية علي معاقل المستعمر في كل مكان،وهي القبيلة الوحيدة التي جاهدت ضد المستعمر في عدة جبهات وعدة دول.مثل موريتانيا والصحراء الغربية والمغرب وجنوب الجزائر وشمال مالي والنيجر.وشكل مقاتلوها الأبطال أكبر تحد للمستعمر.ولذالك فإنه من واجبنا تبين هذه الحقايق التي لايريد لها البعض أن تظهر وتنشر.

وحين بدأ مشوار الاستقلال منتصف القرن العشرين، كان من أبناء الركيبات زعماء سياسيون، وأطر، ومجاهدون سابقون، ساهموا في تأسيس الدولة الموريتانية الحديثة، وحرصوا على أن لا تذهب تضحيات الأجداد سدى.

■ الذاكرة لا تموت

قد لا تدرس هذه الملاحم في المدارس، وقد لا توثقها المناهج  الرسمية  لكنها تعيش في صدور الرجال والنساء الذين حفظوها كما حُفظت أنسابهم، وسلموها شفاها جيلا بعد جيل.وكتب عنها المؤرخون.وحتي الفرنسيون.في مراسلاتهم الإدارية والأمنية.

قبيلة الشرفاء  أركيبات ليست فقط ماضي مقاومة تليد، بل هي ذاكرة صلبة وتاريخ مشرق من الكرامة والنبل والشجاعة،والتحدي، والكبرياء ..هي جزء حي من خريطة الشرف الموريتانية.الاصيلة  كشجرة ثابتة فروعها في كل  دول المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى