ثقافة

من خناثة بنت بكار إلى فاطمة الزهراء المنصوري.. خيط “البيظان” الممتد بين موريتانيا والمغرب

محمد عبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب صحفي ، انواكشوط
medabd388@gmail.com

 

 

 

ليست المسافة بين خناثة بنت بكار وفاطمة الزهراء المنصوري مجرد ثلاثة قرون من الزمن، ولا مجرد انتقال من قصر السلطان إلى مؤسسة الحكومة الحديثة؛ إنها مسافة تختصر جانبا من تاريخ اجتماعي وثقافي طويل ظل يربط المجال” البيظاني “من موريتانيا إلى المغرب، عبر القبيلة والعلم والتجارة والأنساب والطرق الصوفية والرحلات البشرية.

خناثة بنت بكار، ابنة البيئة البيظانية وأحد أبرز الوجوه النسائية في تاريخ المغرب، لم تكن مجرد زوجة للسلطان مولاي إسماعيل؛ فقد ارتبط اسمها بالفقه والسياسة والتدبير، وأدت أدوارا مؤثرة في الحياة السياسية المغربية، خصوصا في المرحلة المضطربة التي أعقبت وفاة السلطان مولاي إسماعيل. وتصفها دراسات مغربية بأنها كانت ذات حضور بارز في السياسة والفقه والأدب، وأنها ساهمت في تثبيت حكم ابنها مولا ى عبد الله.

وبعد نحو ثلاثة قرون، تصل امرأة أخرى ذات جذور صحراوية حسانية، ادليمية، إلى قمة هرم السلطة التنفيذية في المغرب. فقد عينت فاطمة الزهراء المنصوري، يوم  29 سبتمبر 2026، رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى هذا المنصب. وجاء تعيينها بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية الأخيرة.

لكن ما يجعل القصة أكثر إثارة للاهتمام من مجرد حدث سياسي هو أن المنصوري نفسها أعلنت، خلال وجودها في الداخلة، انتماءها إلى قبيلة أولاد دليم؛ وهي قبيلة حسّانية امتد مجالها التاريخي والجغرافي عبر الصحراء، ولا تزال لها امتدادات في موريتانيا والمغرب والصحراء الغربية.

وهنا تبرز دلالة اجتماعية تتجاوز الشخص إلى الجغرافيا.

أولاد دليم.. قبيلة لا تعترف بالحدود الحديثة

تاريخ أولاد دليم يكشف شيئا من طبيعة المجال الصحراوي قبل ظهور الحدود السياسية الحديثة. فقد توزعت الجماعات والقبائل الحسانية بين فضاءات اليوم: موريتانيا، والصحراء الغربية، وجنوب المغرب، وكانت الحركة بينها مرتبطة بالمراعي ومسارات القوافل والتجارة والتحالفات والروابط العائلية.

وتشير مصادر تاريخية ودراسات حول القبيلة إلى وجود أولاد دليم في المجال الممتد بين وادي الذهب وتيرس، وإلى حضورهم القوي،كذلك داخل موريتانيا، بينما استقرت مجموعات منهم في مناطق مختلفة من المغرب. كما ارتبط تاريخهم بالصحراء وبطرق التجارة وبالمقاومة ضد القوى الاستعمارية.

وهذا الامتداد يفسر جانبا من ظاهرة تبدو اليوم غريبة لمن يقرأ التاريخ من خلال خرائط الدول الحديثة: قد تكون القبيلة واحدة، بينما تحمل جوازات أبنائها اليوم جنسيات مختلفة.

ومن هنا، فإن وجود جزء كبير  من أولاد دليم في موريتانيا ليس تفصيلا هامشيا في قصة المنصوري؛ بل هو مدخل لفهم شبكة اجتماعية وثقافية أقدم من الحدود السياسية التي تفصل البلدين اليوم.

من القوافل إلى الجامعات.. حين صنعت الحركةُ صلةً اجتماعية

العلاقة بين موريتانيا والمغرب لم تبن فقط عبر الحكومات والسفارات.

قبل الدولة الحديثة، كانت هناك حركة مستمرة للعلماء والطلاب والتجار والقوافل والشيوخ، وكانت المراكز العلمية والروحية في بلاد شنقيط والمغرب جزءا من فضاء ثقافي متداخل. وتشير دراسات العلاقات المغربية الموريتانية إلى أن الروابط بين المجالين تعود إلى قرون سابقة على قيام الدولتين بصورتهما الحديثة، وأن النخب الموريتانية ظلت تتحرك إلى المغرب، كما استقبلت بلاد شنقيط علماء وشخصيات من شمال الصحراء.

ولذلك فإن الحديث عن «العلاقة المغربية الموريتانية» لا ينبغي أن يبدأ فقط من الاعتراف الدبلوماسي المتبادل أو من أزمات الحدود والصحراء؛ فهناك طبقة أعمق بكثير: المجتمع نفسه كان يتحرك قبل السياسة، والثقافة كانت تعبر الحدود قبل أن ترسم بشكلها الحالي.

لقد كانت المحظرة، والزوايا، والأسواق، والقوافل، والمصاهرات، والرحلات العلمية، وشبكات الطرق الصوفية، أدوات لبناء مجال اجتماعي واسع لم يكن يرى الصحراء حاجزا بالمعنى الذي أصبحت عليه في العصر الحديث.

خناثة بنت بكار.. نموذج مبكر لحضور المرأة الحسانية

في هذا السياق تكتسب شخصية خناثة بنت بكار أهمية خاصة.

فهي تنتمي إلى البيئة البيظانية، لكنها تجاوزت المجال المحلي لتصبح شخصية مؤثرة داخل البلاط المغربي، وتؤكد الدراسات التاريخية أن حضورها لم يكن رمزيا، بل ارتبط بالعلم والسياسة والتدبير.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة في المقارنة: لم تكن المرأة الحسانية، في التاريخ مجرد حافظة للذاكرة الاجتماعية داخل الخيمة، بل ظهرت أيضا في أدوار العلم والتدبير والوساطة وصناعة القرار.

ولا يعني ذلك أن المجتمع القديم كان مجتمعا مساويا للمرأة في الحقوق السياسية بالمفهوم الحديث؛ فهذه إسقاطة تاريخية ينبغي تجنبها. لكن الوقائع تشير إلى أن بعض النساء استطعن، في سياقات محددة، ممارسة تأثير يتجاوز الأدوار التقليدية التي تحصر المرأة في المجال الخاص.

المنصوري.. انتقال من الرمز التاريخي إلى الدولة الحديثة

أما فاطمة الزهراء المنصوري، فتمثل سياقا مختلفا تماما.

هي ابنة الدولة الحديثة، والمحاماة، والانتخابات، والعمل الحزبي والمؤسساتي. تولت رئاسة مجلس مدينة مراكش، ثم حقيبة وزارية، وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تصل اليوم إلى رئاسة الحكومة.

وهنا لا يعود الحديث عن «امرأة حسانية في موقع المسؤولية» مجرد استعادة لماض تاريخي؛ بل يصبح أمام تحول مؤسساتي حديث تتولى فيه امرأة رئاسة الجهاز التنفيذي للدولة.

واللافت أن المنصوري لم تتنكر لجذرها الاجتماعي، بل أعلنت في الداخلة انتماءها إلى قبيلة أولاد دليم، في لحظة سياسية أعادت فيها هذه الهوية القبلية الصحراوية إلى واجهة النقاش العام.

موريتانيا في هذه الحكاية ليست خارج المشهد

ربما تكمن إحدى أكثر زوايا القصة إثارة في أن اسم أولاد دليم لا يقف عند الحدود المغربية.

فالقبيلة موجودة تاريخيا في المجال الموريتاني أيضا، خصوصا في المناطق الصحراوية والشمالية، وهو ما يجعل أي حديث عن الهوية الدليمية حديثا يتقاطع بالضرورة مع الذاكرة الاجتماعية الموريتانية.

لكن ينبغي الحذر من تحويل هذا الامتداد إلى ادعاء بأن الحدود السياسية لا قيمة لها اليوم؛ فالدولة الحديثة حقيقة سياسية وقانونية قائمة، والانتماء الوطني لا يختزل في الانتماء القبلي.

الأدق أن نقول إن الحدود السياسية الحديثة قطعت مجالا اجتماعيا أقدم، لكنها لم تمح الذاكرة المشتركة ولا صلات الرحم والقرابة بين العائلات والقبائل والثقافة.

ومن هنا يمكن فهم استمرار الروابط الإنسانية بين الموريتانيين والمغاربة: زيجات، زيارات، هجرات، علاقات علمية وتجارية، وتشابه لغوي وثقافي واسع، إلى جانب تاريخ سياسي لم يخل، بطبيعة الحال، من الخلافات والتوترات.

من الصحراء إلى الدولة.. ماذا بقي من «مجتمع البيظان»؟

تقدم قصة خناثة والمنصوري سؤالًا أوسع: ماذا بقي من المجال البيظاني القديم داخل الدول الحديثة؟

الإجابة ليست في الحدود ولا في الأنساب وحدها.

إنه موجود في اللغة الحسانية، وفي أسماء القبائل والعائلات، وفي الذاكرةالثقافية  المشتركة، وفي أنماط الضيافة واللباس والشعر، وفي مسارات العلماء والتجار، وفي الروابط العائلية الممتدة على جانبي الحدود.

لكن هذا الإرث لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المواطنة الحديثة، ولا إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسامات القبلية. قيمته الحقيقية أنه يكشف أن المجتمعات كانت أكثر اتصالا مما توحي به الخرائط السياسية الحالية.

خيط واحد.. في أزمنة مختلفة

بين خناثة بنت بكار وفاطمة الزهراء المنصوري خيط تاريخي واجتماعي يستحق التأمل، لا لأنه يثبت أن التاريخ يعيد نفسه، بل لأنه يكشف قدرة المرأة في المجال البيظاني على الانتقال من فضاء اجتماعي تقليدي إلى فضاء سياسي حديث.

خناثة جاءت من عالم السلطان والقبيلة والعلم والتحالفات؛ والمنصوري تأتي من عالم الدستور والانتخابات والحزب والدولة والمؤسسات.

وبينهما قرون من التحولات.

لكن الرسالة الأهم ليست أن الماضي نسخة من الحاضر، وإنما أن الأصالة يمكن أن تتحول إلى قوة ثقافية حين لا تتحول إلى قيد، وأن المعاصرة تصبح أكثر إنسانية حين لا تقطع جذورها.

وفي هذه المساحة بالذات تلتقي موريتانيا والمغرب: ليس فقط في الجغرافيا والتاريخ، وإنما في ذاكرة اجتماعية وثقافية أوسع من الحدود، تستطيع أن تكون جسرا للتعارف والتعاون، بدل أن تكون مادة لاستعادة الخلافات القديمة.

فمن خناثة بنت بكار إلى فاطمة الزهراء المنصوري، لا يتعلق الأمر فقط بقصة امرأتين؛ بل بقصة مجال ثقافي كامل تغيرت دوله وحدوده، بينما ظل يحمل في ذاكرته شيئا من وحدته القديمة الصامدة رغم عاديات الزمن وتقلبات الحياة علي مر التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى