ثقافة

مذكرات من معطي مولانا..حين يصير المكان رسالة

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
صحفي وكاتب

ليست قرية معطي مولانا مجرّد نقطة على هامش الجغرافيا الموريتانية، بل هي موضعٌ من ذاكرة الروح في هذا الوطن؛ ذاكرةٌ تشكّلت فيها ملامح مرحلة فارقة من تاريخ التربية الروحية والتعليم الشرعي. في هذا الركن الهادئ من الريف، حيث بساطة العيش وصدق التوجّه، غرس العلّامة المربّي فضيلة الشيخ محمد المشري بذرة مدرسة تربوية علمية، لم يقتصر ظلّها على القرية، بل امتدّ إشعاعها إلى عموم موريتانيا، وتردّد صداها في آفاق من الجوار والعالم الإسلامي.
في معطي مولانا لم تُشيَّد المدرسة بالحجارة وحدها، بل بُنيت بالمعاني قبل المباني؛ كانت الحلقات العلمية مجالس تزكية قبل أن تكون دروسًا في المتون، وكانت الصحبة ممارسة حيّة للأخلاق قبل أن تكون مجرّد مرافقة في طلب العلم. لم يفصل الشيخ المشري يومًا بين العلم والسلوك، ولا بين التربية والواقع؛ جمع بين فقه النص وفقه النفس، فغدت القرية مدرسة، للإنسان المتوازن: رسوخ في المعرفة، واستقامة في السلوك، وحضور إيجابي في المجتمع.
يتذكّر أهل العلم والسلوك – كما يتذكّر كثيرون – كيف تحوّلت القرية إلى قبلة لطالبي المعنى قبل المعلومة، يفدون إليها من جهات البلاد المختلفة، يحملهم الشوق، ويغادرونها وقد حملوا معهم مشروع حياة كامل: أن يكون المرء صالحًا في ذاته، نافعًا في محيطه، ثابتًا في المواقف دون صخب، ومؤثّرًا دون ادّعاء.

ومع مرور الزمن، خرج من رحم معطي مولانا جيل من المربّين والدعاة والمعلمين، حملوا رسالة القرية إلى المدن والبوادي، بل وتجاوزوا بها حدود الوطن. في المساجد، وفي المحاظر، وفي فضاءات الإصلاح الاجتماعي، تجلّى أثر تلك المدرسة الهادئة العميقة: خطاب ديني رصين، يوازن بين ظاهر النص وروحه، وبين العبادة ومقاصدها، وبين التديّن والعيش المشترك بسلام. لم يكن إشعاع معطي مولانا إعلاميًا صاخبًا، بل كان إشعاع قيم يتسلّل في هدوء إلى القلوب والعقول، فيصنع أثرًا أبقى من الضجيج.
لقد قدّمت تجربة الشيخ محمد المشري نموذجًا تربويًا خاصًا يُعيد الاعتبار لبناء الإنسان قبل تكديس المعارف، ولتزكية الضمير قبل تلميع الخطاب. وهو نموذج تشتدّ الحاجة إليه اليوم، في زمن تكاثرت فيه المنابر وقلّ فيه الأثر، وتعاظمت فيه الشعارات بينما تراجعت قيمة القدوة.
إن استحضار سيرة معطي مولانا ليس حنينًا رومانسيًا بل هو تذكير بأن النهضة الحقيقية تبدأ من نقاط صغيرة، من أمكنة قد تبدو هامشية في خرائط السياسة والاقتصاد، لكنها مركزية في خرائط القيم والمعنى. هناك، في ذلك الركن المتواضع من الوطن، وُضعت لبنة أساسية في مشروع تربوي موريتاني حديث، لا يزال أثره حاضرًا في وجوه التلامذة، وفي مساراتهم، وفي ما تركوه من بصمات داخل البلاد وخارجها.
وفي زمن تتفاقم فيه الحاجة إلى بوصلة أخلاقية، تظل معطي مولانا شاهدًا حيًّا على أن القرى الصغيرة قد تصنع أحيانًا تاريخًا كبيرًا، وأن الشيخ المربّي، حين يصدق في رسالته، يستطيع أن يُنير بطريقته وقريته مساحات أوسع بكثير من حدود المكان.
وقد تواصل مشوار الريادة التربوية والعلمية بعد رحيل المؤسّس، إذ حمل الراية من بعده فضيلة الشيخ الحاج ولد المشري، فواصل المسيرة بجدارة واستحقاق، محافظًا على روح المدرسة وأصول منهجها في التعليم والتربية وتزكية النفوس. لم تكن خلافته امتدادًا شكليًا لاسمٍ كبير، بل تجديدًا واعيًا لرسالة حيّة، راعى تحوّلات الزمان وحاجات الناس، دون تفريط في جوهر المشروع القائم على الجمع بين العلم والعمل، والقول والحال.
وفي عهده، حافظت معطي مولانا على مكانتها كمنارة علمية تربوية، تستقبل طلاب العلم والمريدين من مختلف الجهات، وتواصل أداء دورها في تخريج أجيال تحمل همّ الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي، وتعمل على ترسيخ قيم الاعتدال، والتواضع، وخدمة المجتمع. وبذلك اكتملت حلقة الوصل بين جيل التأسيس وجيل الاستمرار، لتبقى المدرسة قائمة على سننٍ راسخة: تربية تُنقّي الباطن، وتعليم يُنير العقل، ورسالة تتجاوز حدود المكان إلى رحابة الوطن والعالم.

زر الذهاب إلى الأعلى