مقالات

مسرحية الإلهاء الكبرى.. كلما اقتربت المحاسبة ارتفع ضجيج التضليل

محمد عبد الرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail

 

ليس كل ما يطرح في الساحة الإعلامية، اليوم بريئا أو عفويا. فما يجري لا يبدو سوى حلقة جديدة من مسلسل الإلهاء الذي اعتادت بعض الجهات اللجوء إليه كلما اقتربت الأسئلة المحرجة من مراكز النفوذ، وكلما ارتفع صوت المواطنين مطالبين بالحقيقة والمحاسبة.
فبينما ينتظر الرأي العام إجابات واضحة حول إطلاق تبرئة المشمولين في ملف محكمة الحسابات والمتهمين باختلاس مئات المليارات من الأوقية، وبينما تتسع دائرة الفقر وتتآكل القدرة الشرائية للمواطنين تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، يتم دفع قضايا جانبية إلى واجهة النقاش العام، وكأن المطلوب من الشعب أن ينشغل بالهوامش وينسى جوهر الأزمة.
إنها وصفة قديمة تتكرر كلما ضاقت المساحة أمام المبررات وفشلت محاولات التغطية على الإخفاقات. فبدل الحديث عن الفساد وسوء التسيير ونهب المال العام، يراد للناس أن يغرقوا في معارك جانبية ونقاشات هامشية لا تمس لقمة العيش ولا مستقبل البلاد.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه قضية “الغازوال” الممزوج بالماء تثير غضب المواطنين بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بعشرات السيارات، لم يسمع الرأي العام حتى الآن عن تحقيق شفاف أو محاسبة جدية للمسؤولين عن هذه الفضيحة. وكأن الخسائر التي تكبدها المواطنون لا تستحق الاهتمام، بينما تمنح الأولوية لصناعة الجدل حول قضايا لا تقدم حلا لمشاكل الناس اليومية.
والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات الإعلامية التي صنعتها الأنظمة المتعاقبة وربتها على موائد الامتيازات ما تزال تؤدي الوظيفة ذاتها؛ وظيفة التضليل وتوجيه الرأي العام بعيدا عن الملفات الحقيقية. فبدل أن تمارس دورها الطبيعي في مساءلة السلطة وكشف الحقائق والدفاع عن مصالح المواطنين، تحولت إلى أدوات لتشتيت الانتباه وتبرير الفشل وصناعة الأعداء الوهميين.
لكن الحقيقة التي يحاول البعض طمسها بسيطة وواضحة:
الكذب ليس وجهة نظر مقبولة.والخيانة ليست موقفا سياسيا يمكن تبريره، والسرقة ليست خيارا اقتصاديا أو اجتهادا. إداريا يمكن الاختلاف حوله. هذه ليست آراء متقابلة داخل فضاء ديمقراطي، بل ممارسات تستوجب المحاسبة القانونية والأخلاقية.
نحن نحترم الاختلاف في الرأي، ونؤمن بحق الجميع في التعبير عن أفكارهم ومواقفهم السياسية. أما حين يتعلق الأمر بالفساد والنهب والتضليل، فإن المسألة لا تصبح خلافا فكريا بين أطراف متنافسة، بل معركة بين الحقيقة والكذب، وبين المصلحة العامة ومصالح شبكات النفوذ التي صنعتها الأنظمة الفاسدة،وراكمت الثروات على حساب معاناة المواطنين.
فمن يختلف معنا في البرامج والرؤى نحاوره ونناقشه بالحجة والمنطق والبرهان. أما من يختلف معنا في معايير النزاهة والشرف والصدق، ويجعل من الكذب وسيلة ومن الفساد منهجا ومن التضليل سياسة، فذلك لايمكن اعتباره، مجرد خصم سياسي، بل خطر على الدولة والمجتمع ومستقبل الأجيال.
لقد تحولت بعض حملات التضليل من بعض المأجورين والمتزلفين. إلى محاولة منظمة لإقناع المواطنين بأن الحديث عن الفساد ترف، وأن المطالبة بالمحاسبة نوع من المزايدة، وأن كشف الحقائق جريمة، بينما الجريمة الحقيقية هي نهب المال العام والإفلات من العقاب وإهدار مقدرات شعب يعيش جزء كبير منه تحت خط الفقر.
إن الصحافة الجادة ليست مؤسسة للعلاقات العامة، وليست ذراعا إعلاميا للدفاع عن الفاسدين أو تبرير أخطاء السلطة.. بل مهمتها البحث عن الحقيقة وكشف الوقائع ومساءلة أصحاب القرار. ومن حق الموريتانيين أن يعرفوا أين ذهبت ثرواتهم، وكيف تدار مواردهم، ولماذا تتكرر الأزمات رغم كثرة الوعود والخطط والشعارات.
لذلك لن نترك أكاذيب المفسدين تمر مرور الكرام، ولن نقبل بأن يتحول الرأي العام إلى رهينة لحملات التشتيت والإلهاء. فالقضايا الحقيقية التي تستحق النقاش واضحة للجميع: مكافحة الفساد، ومحاسبة المتورطين في نهب المال العام، وكشف حقيقة الملفات الكبرى التي شغلت الرأي العام، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، وترسيخ العدالة والشفافية وسيادة القانون.
أما المسرحيات السياسية والإعلامية التي تصنع كلما اشتد الضغط الشعبي، فلن تغير الحقيقة .. الأوطان لا تبنى بالأكاذيب، ولا تدار بالدعاية، ولا تحمى بالمنافقين، وإنما تبنى بالصدق والنزاهة،والعدالة والمحاسبة، واحترام إرادة شعب يرفض أن يخدع بإستمرار.

زر الذهاب إلى الأعلى