خمس سنوات عجاف ،وثلاث فارغات .. كيف أصبحت الدعاية المغرضة، بديلا عن الإنجازات ؟!

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
كاتب ، صحفي،أنواكشوط
medabd388@gmail
بعد سبع سنوات من الحكم دون تنمية أو إنجازات ، لم يعد السؤال: ماذا وعدت السلطة؟ بل ماذا تحقق للمواطن؟
لقد أغرقت السلطة الرأي العام بسيل من الوعود والشعارات عن الاستقرار، والحكامة، والإنجازات، والعدالة الاجتماعية، حتى بدا وكأن موريتانيا ستعيش نهضة غير مسبوقة. لكن ما إن يغادر المواطن قاعات المؤتمرات وخطابات المسؤولين حتى يصطدم بواقع مختلف؛ واقع مزر يتحدث بلغة العطش، والبطالة، وغلاء الأسعار، وتراجع الخدمات الأساسية، واتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
لا تبنى الدول بالبلاغات الرسمية،والشعارات الفارغة. ولا تصنع الخطب تنمية. التطور الحقيقي هو أن يجد المواطن الماء قبل أن يسمع عن مشاريع المياه، وأن يجد العلاج قبل أن يشاهد صور تدشين المستشفيات، وأن يحصل الشباب على فرص عمل قبل أن يسمع أرقاما مضللة. عن النمو والاستثمار.
لقد تحولت لغة الإنجاز، في نظر كثير من المنتقدين، إلى وسيلة لتجميل الواقع أكثر من كونها وصفا له. فكلما اشتدت الأزمات، ازداد الحديث عن النجاحات. وكلما ارتفعت معاناة الناس، تضاعفت حملات الترويج. وكأن المطلوب ليس حل المشكلات، بل إقناع المواطنين بأنها لم تعد موجودة.
أما الحديث عن الحكامة، فلا يكفي أن يكتب في البرامج الحكومية، بل يجب أن يظهر جليا في إنجازات ملموسة، في محاسبة كل من يعبث بالمال العام، وفي ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وفي بناء مؤسسات لا يخضع فيها القانون لنفوذ الأشخاص أو موازين المصالح.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس قلة الموارد، وإنما غياب الإرادة السياسية للإصلاح الحقيقي. فالدول الفقيرة تستطيع أن تنهض بالإدارة الرشيدة، بينما تعجز الدول الغنية إذا استشرى فيها الفساد، وغابت المحاسبة، وأصبحت المناصب مكافآت للولاء بدلا من أن تكون مسؤوليات للكفاءة.
لقد انتظر الموريتانيون أن تكون السنوات السبع بداية قطيعة مع إرث طويل من سوء التسيير، لكن كثيرا من الانتقادات ما زالت تتحدث عن استمرار أزمات مزمنة في الخدمات الأساسية، وعن بطء الإصلاحات، وعن شعور متزايد بأن المواطن البسيط لا يلمس أثر ما يعلن عنه من مشاريع وبرامج.
الدولة التي تنجح في إدارة الدعاية الممجوجة، لكنها تعجز عن إدارة أزماتها، تكسب معركة الصورة وتخسر معركة الواقع. والصورة، مهما كانت براقة، لا تروي عطشانا ، ولا تعالج مريضا ، ولا توفر وظيفة لعاطل، ولا تبني مستقبلا لشباب أنهكهم الانتظار.
بعد سبع سنوات، لم تعد المشكلة في كثرة الوعود، بل في تكرارها. ولم يعد المواطن يبحث عن خطاب جديد، بل عن واقع جديد. فالشعوب لا تحفظ أسماء المشاريع بقدر ما تتذكر أثرها في حياتها اليومية.
سيكتب التاريخ هذه المرحلة، لكنه لن يقرأ البيانات الرسمية وحدها، بل سيقرأ أيضا وجوه المواطنين في طوابير الماء، وشهادات العاطلين عن العمل، ومعاناة المرضى، وأحلام الشباب التي تأجلت عاما بعد عام.وانهكتهم رحلات التيه نحو المجهول.
وحينها لن يكون السؤال: كم مشروعا سيقام،؟ بل: كم إنسانا تغيرت حياته فعلا ؟ فذلك هو المعيار الذي تقاس به الدول، وتسقط به الدعاية، ويبقى به الإنجاز الحقيقي




