أخبار وطنية

الغزواني يجدد الثقة في ولد أجاي..خطوة اخري في الإتجاه المعاكس!

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب صحفي ، انواكشوط

medabd@gmail.com

 

 

قراءة نقدية في إعادة تكليف الوزير الأول بتشكيل حكومة جديدة، رغم تصاعد الانتقادات بشأن الفساد وسوء التسيير 

 

لم يكن إعلان رئاسة الجمهورية عن استقبال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للوزير الأول المختار ولد أجاي وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة مجرد إجراء دستوري عابر، بل فتح الباب أمام أسئلة سياسية وأخلاقية تتجاوز أسماء الوزراء القادمين إلى جوهر العلاقة بين السلطة والمساءلة: كيف يمكن تجديد الثقة في مسؤول تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى حصيلة تسييره، بينما ينتظر المواطنون إجابات واضحة عن ملفات الفساد والاختلالات الإدارية وتعثر الخدمات الأساسية؟

إن جوهر الإشكال ليس في حق الرئيس في اختيار الوزير الأول أو إعادة تكليفه، وإنما في المعايير التي تحكم هذا الاختيار، وفي مدى استجابته لمطالب المحاسبة والتغيير. فالتكليف الجديد يضع السلطة التنفيذية أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بمراجعة جدية للأداء الحكومي، أم باستمرار النهج نفسه مع تغيير بعض الوجوه وإعادة توزيع الحقائب؟

الرئيس والوزير الأول.. ثقة سياسية أم حصانة من المساءلة؟

من حق الرئيس أن يمنح ثقته لمن يراه مناسبا لقيادة الحكومة، لكن الثقة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن التقييم والمحاسبة. فالوزير الأول ليس مسؤولا عن إدارة الملفات الحكومية فحسب، بل يفترض أن يكون مسؤولا أمام رئيس الجمهورية والرأي العام عن نتائج السياسات العامة، وعن مدى التزام الحكومة بالقانون والشفافية وحسن استخدام المال العام.

ومن هنا تبرز المفارقة: إذا كانت الانتقادات الموجهة إلى أداء الحكومة تتعلق بملفات جوهرية تمس المال العام والخدمات الأساسية ومعيشة المواطنين، فإن تجديد الثقة في رئيسها يستدعي توضيحا سياسيا بشأن أسباب هذا القرار، والمعايير التي استند إليها، والنتائج التي ينتظر تحقيقها خلال المرحلة المقبلة.

أما أن يعاد تكليف المسؤول نفسه دون إعلان تقييم واضح للحصيلة السابقة أو تحديد التزامات قابلة للقياس، فذلك يترك المجال واسعا للتساؤل عما إذا كانت إعادة التشكيل تعني تغيير السياسات أم مجرد إعادة ترتيب للمشهد الحكومي.

أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟

تتداخل مسؤوليات الرئيس والوزير الأول في إدارة السلطة التنفيذية، لكن هذا التداخل لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتبديد المسؤولية. فإذا كان الوزير الأول يدير العمل الحكومي وينسق أداء الوزراء، فإن الرئيس يتحمل بدوره مسؤولية سياسية عن خياراته الكبرى، وعن استمرار المسؤولين الذين يجدد لهم الثقة.

لذلك، لا يستقيم أن تحمل الحكومة وحدها كل الإخفاقات، بينما يبقى القرار الرئاسي خارج دائرة الأسئلة. كما لا يصح أن يتحول الوزير الأول إلى كبش فداء عند كل أزمة، ثم يعاد إلى موقعه متى اقتضت الحسابات السياسية ذلك، من دون تقديم حصيلة واضحة للرأي العام.

إن المساءلة الحقيقية تبدأ بتحديد المسؤوليات، وتقييم النتائج، وإحالة ما يثبت من مخالفات إلى الجهات المختصة، بعيدا عن التوظيف السياسي أو إطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيقات.

المواطن لا ينتظر أسماء جديدة.. بل نتائج مختلفة

في بلد تتصدر فيه قضايا المياه والكهرباء والصرف الصحي وغلاء المعيشة وفرص العمل اهتمامات المواطنين، لا تكفي إعادة تشكيل الحكومة لإقناع الناس بأن مرحلة جديدة قد بدأت. فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومة بعدد الوزراء الذين غادروا أو دخلوا، وإنما بما يتغير في حياته اليومية، وبمدى قدرته على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وبما يلمسه من عدالة في توزيع الموارد وفرص التنمية.

كما أن الحديث عن مكافحة الفساد يفقد كثيراً من أثره إذا لم يصاحبه نشر واضح لنتائج التفتيش، ومتابعة للتوصيات، ومحاسبة قانونية عند ثبوت المخالفات، واسترداد للأموال العامة حيث يثبت الاستيلاء عليها. فالمعيار ليس عدد التصريحات عن النزاهة، بل ما تكشفه الوثائق وما تثبته التحقيقات وما تنتهي إليه الإجراءات القانونية.

حكومة جديدة أم اختبار جديد للثقة؟

إن تكليف المختار ولد أجاي بتشكيل حكومة جديدة يمنح السلطة فرصة لتقديم تفسير واضح لخياراتها، والإعلان عن برنامج محدد بأهداف وآجال ومؤشرات أداء، بدلا من الاكتفاء بوعود عامة تتكرر مع كل تعديل حكومي.

والأسئلة التي تستحق إجابات مباشرة تظل قائمة: ما تقييم الرئاسة لأداء الحكومة السابقة؟ ما الملفات التي أخفقت في معالجتها؟ ما الإجراءات التي ستضمن عدم تكرار الاختلالات؟ وكيف سيقاس أداء الوزراء الجدد، ومن سيحاسبهم إذا لم تتحقق الالتزامات المعلنة؟

في النهاية، ليست القضية أن الرئيس جدد ثقته في الوزير الأول؛ فذلك من صلاحياته السياسية والدستورية. القضية هي أن هذه الثقة ينبغي أن تقابلها مسؤولية واضحة أمام المواطنين، وأن تكون القرارات الحكومية خاضعة للتقييم والرقابة، لا لمجرد منطق الولاء والاستمرار.

فالدولة لا تدار بتجديد الثقة وحده، ولا تستعاد ثقة المواطنين بتغيير الأسماء، وإنما بنتائج ملموسة، وشفافية قابلة للتحقق، ومحاسبة لا تستثني أحدا.

زر الذهاب إلى الأعلى