عبد الله واد.. قرن من السياسة بين المعارضة والسلطة وصناعة التحولات

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي متخصص في القضايا الإجتماعية
وحقوق الإنسان
medabd388@gmail.com
أطفأ الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد، المعروف شعبيا بلقب “گورگي” (العجوز باللغة الولفية)، شمعته المائة يوم 29 مايو 2026، ليطوي بذلك قرنا كاملا من العمر الحافل بالأحداث والتحولات التي طبعت تاريخ السنغال الحديث.
ولم يكن واد مجرد سياسي عابر في المشهد السنغالي، بل كان أحد أبرز صناع التحولات الكبرى في البلاد، ورمزا من رموز المعارضة الأفريقية التي نجحت في الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع بعد عقود طويلة من النضال السياسي.
منذ ستينيات القرن الماضي، فرض عبد الله واد حضوره في الحياة العامة بصفته قانونيا.بارعا وسياسيا مشاكسا لا يهادن السلطة. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، ظل اسمه ملازما لأبرز المحطات السياسية في السنغال، متنقلا.بين مقاعد المعارضة، وزنازين الاعتقال، وقصر الرئاسة، قبل أن يتحول في سنواته الأخيرة إلى المدافع الأول عن مستقبل نجله السياسي كريم واد.
● من سان لويس إلى باريس
وُلد عبد الله واد رسمياً في 29 مايو 1926 بمدينة “أندر” (سين لويس، شمال السنغال) رغم أن الرجل نفسه أثار أكثر من مرة تساؤلات حول دقة تاريخ ميلاده المسجل في الوثائق الرسمية.
نشأ واد في أسرة ميسورة، ما أتاح له متابعة تعليمه في المؤسسات المرموقة، قبل أن يشد الرحال إلى فرنسا حيث درس القانون والاقتصاد والعلوم السياسية، وحصل على عدة شهادات أكاديمية مهدت له طريق المحاماة والعمل العام.
وخلال سنوات دراسته الأوروبية، لم ينقطع واد عن قضايا القارة الأفريقية، بل انخرط في دعم حركات التحرر الوطني، وكان من بين المتعاطفين مع نضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي.
● المحامي الذي تحدى السلطة
مع بداية ستينيات القرن الماضي، لمع اسم عبد الله واد في الأوساط القانونية بعدما تولى الدفاع عن ، رئيس الوزراء السنغالي الأسبق ممادو جاه الذي اتهم بمحاولة الانقلاب على الرئيس الشاعر .ليوبول سيدار سينكور
وقد تركت تلك القضية أثرا عميقا في وعي واد السياسي، إذ ظل يعتبر الحكم الصادر بحق ديا مثالا على توظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية، وهي القناعة التي رافقته طوال مسيرته العامة.( وكان واد حينها هو المحامي الرسمي لممادو جاه مما أعطاه شهرة أكبر في عالم المحاماة، وهي الوضعية التي استغلها سياسيا في وقت لاحق.
● ولادة معارضة قوية
في عام 1974 نجح واد في تأسيس حزبه السياسي
( الحزب الوطني الديمقر اطي ، PDS ) ليصبح أول معارض يحصل على ترخيص قانوني في ظل النظام السياسي القائم آنذاك.
وسرعان ما تحول الحزب إلى القوة الرئيسية في مواجهة السلطة، بينما خاض واد سلسلة طويلة من المعارك الانتخابية ضد نظام سنغور ثم خلفه .عبدو ضيوف
وعلى الرغم من الهزائم المتكررة التي مني بها والاعتقالات والضغوط السياسية، لم يتخل الرجل عن مشروعه السياسي، وظل يراهن على التغيير عبر المسار الديمقراطي.
● من السجن إلى القصر الرئاسي
في تسعينيات القرن الماضي، بدا للكثيرين أن نجم عبد الله واد بدأ بالأفول، خصوصا بعد سجنه عام 1994 إثر أحداث عنف أعقبت الانتخابات.
لكن السياسي المخضرم عاد بقوة إلى الواجهة، ليحقق عام 2000 أحد أكبر الإنجازات السياسية في تاريخ السنغال، عندما فاز في الانتخابات الرئاسية على الرئيس عبدو ضيوف بعد أكثر من ربع قرن قضاها في صفوف المعارضة.
وشكل ذلك الفوز لحظة تاريخية فارقة، إذ شهدت السنغال لأول مرة انتقالا سلميا للسلطة عبر صناديق الاقتراع، في تجربة أصبحت لاحقا نموذجا ديمقراطيا يحتذى به في افريقيا.
● سنوات الحكم والإنجازات والجدل
خلال فترة رئاسته، أطلق واد مشاريع بنية تحتية كبرى، شملت الطرق السريعة والمطارات والمنشآت الاقتصادية الحديثة، في محاولة لتحديث البلاد وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
غير أن سنوات حكمه لم تخل من الجدل، خاصة مع تصاعد نفوذ نجله كريم واد داخل دوائر القرار، وهو ما دفع المعارضة إلى اتهامه بالسعي إلى تمهيد الطريق لتوريث السلطة داخل العائلة.
وقد أشعل هذا الملف موجة واسعة من الاحتجاجات والانتقادات السياسية، لتدخل البلاد في واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية.
● معركة الولاية الثالثة
بلغ الجدل ذروته عام 2012 عندما قرر عبد الله واد الترشح لولاية رئاسية ثالثة، رغم اعتراضات واسعة من المعارضة ومنظمات المجتمع المدني.
ورغم الجدل الدستوري الذي رافق تلك الخطوة، انتهت الانتخابات بخسارته أمام رئيس وزرائه السابق ماكي صال
لكن واد فاجأ الجميع باعترافه السريع بالنتائج، في خطوة اعتبرها كثيرون دليلا جديدا على رسوخ الثقافة الديمقراطية السنغالية.
● الأب والسياسي
بعد مغادرته السلطة، كرس عبد الله واد جهوده للدفاع عن نجله كريم واد، الذي واجه اتهامات بالإثراء غير المشروع وأُدين قضائيا عام 2015.
وخاض الرئيس الأسبق حملة سياسية وإعلامية ودبلوماسية واسعة انتهت بحصول نجله على عفو رئاسي ومغادرته السنغال نحو دولةقطر .
●إرث رجل عبر قرنا كاملا
اليوم، وبعد مائة عام من الحياة، يبقى عبد الله واد شخصية استثنائية في التاريخ السياسي السنغالي.
فأنصاره يرونه مهندس التحول الديمقراطي الذي أنهى احتكار السلطة وفتح الباب أمام التداول السلمي للحكم، بينما يعتبره منتقدوه مسؤولا عن بعض مظاهر الشخصنة السياسية والجدل الذي طبع سنوات حكمه الأخيرة.
وبين الرؤيتين، يظل “گورگي” واحدا من أكثر القادة تأثيراً في تاريخ السنغال المعاصر؛ رجل عبر قرنا كاملا من الصراعات والتحولات والمعارك السياسية ، وترك بصمته العميقة على مسار دولة أصبحت واحدة من أبرز التجارب الديمقراطية في القارة الأفريقية.







