موريتانيا الأن : الحرارة المرتفعة , العطش… والصمت !!

الإتحاد – انواكشوط
في بلد تستنزف فيه الثروات وترفع فيه الشعارات الرنانة صباح مساء، ما زالت آلاف الأسر تواجه أبسط معركة من أجل البقاء: الحصول على الماء والكهرباء. ومع كل موجة حر تتجاوز الأربعين درجة، ينكشف حجم الفشل الرسمي وتتعرى حقيقة الخطابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
أي دولة هذه التي تعجز عن توفير الماء لمواطنيها وهم يواجهون حرارة قاتلة؟ وأي تنمية يراد إقناع الناس بها بينما يقضي المواطن ساعات طويلة بحثا عن قطرة ماء أو انتظارا لعودة التيار الكهربائي؟ إن الحديث عن المشاريع العملاقة والإنجازات الوهمية يصبح نوعا من الاستفزاز حين يحرم المواطن من أبسط حقوقه الأساسية.
المشكلة لم تعد مجرد انقطاع للمياه أو الكهرباء، بل أصبحت عنوانا لأزمة حكم وإدارة وأولويات. فحين تنفق الأموال على المظاهر والدعاية السياسية، بينما تتدهور الخدمات الأساسية، فإن الأمر يكشف خللا عميقا في فهم المسؤولية العامة ومعنى الدولة.
الأخطر من ذلك أن معاناة المواطنين تحولت إلى مشهد عادي بالنسبة لكثير من المسؤولين. فلا استنفار حقيقي، ولا محاسبة للمقصرين، ولا خطط عاجلة تطمئن الناس. وكأن المواطن البسيط لا قيمة له إلا عند مواسم الانتخابات أو في البيانات الرسمية المنمقة.
لكن مسؤولية هذا الواقع لا تقع على السلطة وحدها. فالصمت الطويل على الفشل، والتبرير المستمر للأخطاء، والدفاع الأعمى عن المسؤولين مهما بلغت معاناة الناس، كلها عوامل ساهمت في تكريس الأزمة. فالأوطان لا تبنى بالمجاملة، ولا تصلحها أبواق التبرير، بل تبنى بالنقد الصادق والمحاسبة والشفافية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس الفقر ولا الحرمان، بل اعتياده عليهما. وعندما يصبح انقطاع الماء والكهرباء أمرا طبيعيا، وتتحول معاناة المواطنين إلى خبر عابر، فإن ذلك مؤشر خطير على تآكل الإحساس بالمسؤولية العامة.
اليوم، لم تعد القضية قضية حرارة أو عطش فقط، بل قضية كرامة مواطن وحق شعب في العيش الكريم. فالدولة التي لا تستطيع أن تضمن الماء والكهرباء لمواطنيها في أشد الظروف قسوة، مطالبة قبل الحديث عن الإنجازات الكبرى بأن تجيب عن سؤال بسيط ومحرج: أين تذهب الثروات؟ ولماذا يبقى المواطن آخر المستفيدين منها؟!
إن العطش الذي يضرب بعض المدن، والأحياء والقرى ليس مجرد أزمة خدمات، بل شهادة إدانة لفشل السياسات وسوء الأولويات. أما الصمت على هذا الواقع، فهو شراكة غير معلنة في استمرار المعاناة، وتواطؤ مع أزمة باتت تهدد ثقة المواطن في مؤسسات دولته ومستقبل وطنه.







