المجرية.. تاريخ يسكن حضن الجبل !

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب ، صحفي medabd388@gmail
في بحر الرمال الذهبية الزاهية، حيث تمتد الصحراء كقصيدة مفتوحة على الأفق، تبدو المجرية وكأنها خرجت من رحم الأرض لتقيم شاهدة على زمنٍ لا يشيخ. هناك، في أعالي تگانت، تتخلى الشمس عن شيء من كبريائها، كأنها أدركت أن للمكان ضوء آخر لا تصنعه أشعتها، بل تصنعه الذاكرة والتاريخ وملامح الرجال الذين مروا من هنا وتركوا في الرمل ما هو أعمق من الأثر.
المجرية ليست مجرد مدينة تتكئ على السفوح وتطل على الامتداد الصحراوي؛ إنها صفحة مضيئة من تاريخ موريتانيا، وموطن تختلط فيه صرامة الطبيعة برقة الإنسان، وتتعانق فيه الجبال مع السماء، فيما تحفظ الكثبان أسرار أجيال تعاقبت على هذه الأرض.
حين تقترب منها، تشعر أن الجبل ليس مجرد صخر صامت، بل جدار من الذاكرة. تحتمي به المدينة من وهج الشمس، وتستظل بتضاريسه التي منحتها خصوصيتها وهيبتها. وفي الجهة الأخرى، تمتد الرمال في هدوء، كأنها بساط ذهبي يليق بمدينة عريقة اختارت أن تكون قريبة من السماء وبعيدة عن صخب المدن.
وللمجرية حكاية لا تقرأ في الكتب وحدها، وإنما تقرأ في ملامح المكان، وفي الذاكرة الشعبية، وفي مدارس العلم والمحاظر التي جعلت من تگانت أحد الأقاليم التي ارتبط اسمها بالمعرفة والدين والثقافة. فقد كانت المنطقة جزءا من المجال الحيوي للحركة العلمية التي ازدهرت في بلاد شنقيط، حيث لم تكن المحظرة مجرد مكان للتدريس، بل مؤسسة تحفظ اللغة والفقه والأنساب والشعر، وتصنع رجالاً حملوا العلم من واحات الصحراء إلى آفاق بعيدة.
وفي هذه الأرض، كان العلم يسافر على ظهور الإبل، وتنتقل الكتب من يد إلى يد، ويحفظ الصبيان المتون كما يحفظون أسماء آبائهم، وتصبح المعرفة رأس مال المجتمع الحقيقي. ومن هنا جاءت هيبة المكان: من الإنسان الذي جعل من القفر مدرسة، ومن العزلة فرصة للتأمل والتحصيل، ومن شظف العيش طريقا إلى المجد.

المجرية، بهذا المعنى، ليست حجارة وطرقاتٍ ونخلا ورمالا فحسب؛ إنها ذاكرة جماعية. ذاكرة أجيال عاشت على هذه الأرض، وشقت لنفسها طريقا بين قسوة الطبيعة وكرم الإنسان. في بيوتها القديمة، وفي مجالس أهلها، وفي حكايات الشيوخ، يمكن للزائر أن يستشعر بقايا زمن كانت فيه الكلمة عهدا، والضيف أمانة، والعلم مكانة، والوفاء قيمة لا تحتاج إلى إعلان أو استعراض.
ولعل أجمل ما في المجرية أن الطبيعة فيها لا تنافس التاريخ، بل تحرسه. الجبال شامخة كأنها حراس أبديون، والرمال تتحرك ببطء حول المدينة، والسماء تبدو أكثر اتساعا ، فيما يظل المكان محتفظا بهدوئه العميق. حتى الشمس، وهي تعبر سماء تگانت في دورتها الأبدية، تبدو أحيانا وكأنها تتوقف قليلا أمام هذا المشهد لتتأمل مدينة لا تزال تقاوم النسيان.
إنها المجرية؛ مدينة تختصر شيئا من روح تگانت، وتختزن جانبا من عبقرية المكان الموريتاني: قدرة الإنسان على صناعة الحياة في قلب الصحراء، وعلى تحويل القفر إلى فضاء للعلم، وتحويل العزلة إلى هوية، وتحويل الذاكرة إلى مجد متوارث.
سلام على المجرية، وهي تستيقظ كل صباح بين الجبل والرمل.
سلام على أهلها، أولئك الذين ورثوا من آبائهم صرامة الصحراء وكرم الشنقيطيين الأصيل.
سلام على محاظرها وذاكرتها، وعلى علمائها وشيوخها، وعلى كل حجر فيها يحمل شيئا من حكاية هذه البلاد.
وسلام على تگانت، أرض المجد والشموخ، حيث لا يزال التاريخ يمشي حافيا فوق الرمال، وحيث تبدو السماء أقرب، كأن الأرض هناك لا تزال تحتفظ بحقها القديم في ملامسة النجوم.





