مقابلات وتحقيقات

المجرية.. مدينة تنام على صدر, الجبل وتستيقظ على جراح التهميش.

تحقيق صحفي:
محمد عبد الرحمن عبد الله
مدينة المجرية – ولاية تكانت

تنام المجرية قريرة العين على سفوح جبل أشتف، كما لو أنها لا تزال تعيش زمن الحكايات العتيقة، حيث كانت مقصداً للقوافل، ومأوى للعابرين، ومربضًا للأحلام الكبيرة التي تناسلت من رحم الصخر والرمل والنخيل.

في الليل، يهمس الجبل لها بأنشودة الكبرياء والشموخ، يروي لها عن أولئك الذين مروا من هنا، من أعلام العلم والفتوة والسياسة والدين، عن رجال كانوا يمشون واثقي الخطى، يملكون من عزة النفس ما يغنيهم عن ضجيج المدن، ومن فصاحة اللسان ما يجعل الرمل يصغي.

■ مجدٌ في الذاكرة… وأطلال في الواقع

سألنا شيخًا سبعينياً على أطراف السوق القديمة عن ماضي المدينة، فقال وهو يحدّق في الأفق البعيد:

> “كنا نُعرف بالكرم والعلم، وكان للمجرية وزنٌ في ميزان الزمن… هنا كانت تُحل النزاعات القبلية، وهنا تُتلى خطب الجمعة من أفواه لا تعرف الخطأ في الإعراب، ولا الكذب في الدين.”

كانت المدينة ملتقى قوافل التجارة المتنقلة بين الشمال والجنوب، مركزًا زراعيًا ومائيًا بامتياز، يستفيد من واحات النخيل والمياه الجوفية المتدفقة من الجبال.

بل إن البعض، ممن عاصروا الستينيات والسبعينيات، ما زالوا يذكرون بفخر أن المجرية كانت ذات يوم نقطة ارتكاز إدارية وتعليمية، ترفد مدن تكانت الأخرى بالكفاءات، والمعلمين، والقيادات المحلية.

■ واقع بارد كحجارة السيل

لكن الزمن تغيّر، ومعه تغيرت الملامح.

المدخل الشمالي للمدينة، المغطى بطبقة رملية كثيفة، يشهد على رداءة الطرق، وقسوة العزلة. أما السوق القديم، فقد تحول إلى ركام من الخشب المهترئ والطين المتشقق.
المستشفى؟ مجرد بناية بها طبيب وحيد وممرضون متطوعون، ومخزون دائم من الأعذار.

في جولة سريعة بين الأحياء، يُلاحظ الزائر حجم التهميش: غياب البنية التحتية، سوء التغطية الصحية، انقطاع الكهرباء أحيانًا، وضعف الخدمات التعليمية.

قال شاب من أبناء المجرية، يعمل على عربة يدوية ينقل بها البضائع:

> “نحن مدينة نُحب الحياة، لكن الحياة لا تحبنا كثيرًا… كل ما فينا جميل إلا ما تركته الدولة فينا!”

■ التعليم… منارة منطفئة

أحد المعلمين المتقاعدين، قال لنا وهو يتأمل فناء مدرسة ابتدائية تتقشر جدرانها:

> “في السبعينات، خرجنا من هذه الفصول نكتب العربية بطلاقة، ونعرف الفرنسية أفضل من بعض أبناء العاصمة اليوم… أما الآن، فالتلميذ يدرس حتى الإعدادية ولا يعرف كتابة اسمه بشكل صحيح!”

■ لماذا تموت المدن الصغيرة؟!

طرحنا هذا السؤال على مسؤول إداري سابق في المقاطعة، فكان جوابه صريحًا:

> “هناك مركزية مفرطة في نواكشوط، ولا إرادة سياسية حقيقية لتوزيع التنمية. المجرية ليست وحدها، بل معها عشرات المدن المنسية… ما لم يحدث تغيير جذري، فمصيرها هو التحول إلى قرية بلا ذاكرة.

■ ما الذي تبقى؟

رغم هذا الواقع القاسي، لا تزال المجرية تحتفظ بأشياء لا تُشترى ولا تُباع: جمال الطبيعة، طيبة السكان، وكرم الضيافة.
جبل أشتف ما يزال شامخًا، والواحات ما تزال تنبض بحياة خجولة.
القلوب هنا كبيرة، والناس لا ينسون، ولا يفقدون الأمل بسهولة.

سألنا طفلة في الثامنة عن حلمها، فقالت ببساطة:

> “أريد أن أصبح طبيبة… وأبني مستشفى للمجرية.”

المجرية، المدينة التي تنام في حضن الجبل، لا تزال تنتظر أن تستيقظ الدولة، أن ترى ما تراه العيون كل صباح: أنين مدينة تبتسم رغم الجراح، وتحلم رغم النسيان.

زر الذهاب إلى الأعلى