أخبار وطنية

جهة نواكشوط والاتحاد الأوروبي.. تمويلات متجددة وأسئلة معلقة عن مصير التنمية في الأحياء الهشة

اتفاقية جديدة لتهيئة حي الترحيل «16-05».. فأين ذهبت ثمار التمويلات السابقة، ولماذا لا يزال سكان الهامش ينتظرون تحسنا ملموسا في ظروفهم المعيشية؟

وقعت جهة نواكشوط والاتحاد الأوروبي، اليوم الثلاثاء، اتفاقية لإطلاق مشروع التهيئة التشاورية للحي الطرفي الهش بقطاع الترحيل «16-05»، بهدف تحسين الظروف المعيشية للسكان وتعزيز التنمية الحضرية المستدامة، عبر مشاريع يُفترض أن تقوم على المشاركة والتشاور مع مختلف الفاعلين.

الاتفاقية وقّعتها رئيسة جهة نواكشوط، فاطمة عبد المالك، وسفير الاتحاد الأوروبي المعتمد لدى موريتانيا، خواكين تاسو فيلالونغا، في خطوة جديدة ضمن مسار التعاون بين الطرفين، الذي ظل يرفع شعارات التنمية المستدامة ومكافحة الهشاشة وتعزيز التماسك الاجتماعي.

لكن خلف هذه الشعارات البراقة، يبرز سؤال جوهري لا يجوز تجاوزه: ما الجدوى من تجديد الاتفاقيات وتعبئة التمويلات إذا لم تنعكس نتائجها بصورة واضحة على حياة سكان الأحياء الهشة، الذين ما زال كثير منهم يواجه الفقر والتهميش وضعف الخدمات الأساسية؟

تمويلات كثيرة.. بدون أثر إجتماعي

تقول رئيسة جهة نواكشوط إن المشروع يعتمد مقاربة مبتكرة في التعاون والتمويل، تقوم على آلية التمويل غير المرتبط بالتكاليف، معتبرة أن التجربة تمثل خطوة نوعية في تطوير الشراكة المباشرة مع التجمعات المحلية.

غير أن الحديث عن ابتكار آليات التمويل لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: ما النتائج التي تحققت فعليا على الأرض؟ وكم أسرة استفادت من المشاريع السابقة؟ وما حجم التحسن المسجل في السكن والخدمات الأساسية وفرص العمل والدخل؟ وأين يمكن للمواطنين الاطلاع على تقارير شفافة توضح حجم الأموال المرصودة، وأوجه صرفها، ومؤشرات الأثر الاجتماعي والاقتصادي؟

هذه ليست أسئلة للتشكيك في جدوى التعاون مع الاتحاد الأوروبي، بل هي الحد الأدنى من المساءلة المطلوبة لضمان أن تتحول الأموال الموجهة للفئات الهشة إلى تحسينات ملموسة في حياتها، بدل أن تبقى التنمية حبيسة الاتفاقيات والخطابات الرسمية.

فالأحياء الطرفية في نواكشوط لا تحتاج إلى مزيد من الوعود وحدها، بل إلى مياه صالحة للشرب، وخدمات صحية وتعليمية مناسبة، وطرق لائقة، وفرص اقتصادية تحمي الأسر من الحاجة والتبعية. وهذه نتائج ينبغي قياسها والإعلان عنها، لا الاكتفاء بتعداد المشاريع والتوقيعات.

المساعدات الاجتماعية.. حق للمواطن أم وسيلة للإبتزاز  السياسي؟

ثمة جانب آخر يفرض نفسه عند تقييم دور جهة نواكشوط في إدارة البرامج الاجتماعية، يتعلق بمدى استقلالية توزيع المساعدات الموجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، وضمان وصولها إلى مستحقيها بعيدًا عن الحسابات السياسية والانتخابية.

فقد سبق أن أُثيرت انتقادات بشأن تصريحات منسوبة إلى رئيسة الجهة خلال حملات انتخابية سابقة، قيل إنها تضمنت التهديد بحرمان بعض سكان الأحياء الهشة من المساعدات الاجتماعية إذا لم يصوتوا للحزب الحاكم.

وإذا صحت هذه الوقائع، فإنها تطرح إشكالا بالغ الخطورة بشأن حدود المسؤولية السياسية والأخلاقية في إدارة برامج الدعم الاجتماعي؛ إذ لا يجوز أن يتحول احتياج الفقراء إلى وسيلة للضغط عليهم أو إخضاع خياراتهم الانتخابية.

فالمساعدة الاجتماعية ليست امتيازا تمنحه جهة سياسية لأنصارها، ولا مكافأة على الولاء، وإنما حق يستند إلى الحاجة ومعايير الاستحقاق والعدالة. والمواطن الذي يعاني الفقر لا يفقد حقه في الدعم لأنه اختار مرشحا معارضا، كما لا ينبغي أن يحصل عليه شخص أقل حاجة لمجرد قربه من دوائر النفوذ.

إن إثارة هذه الوقائع تستدعي توضيحا مؤسسيًا شفافا، ونشر معايير الاستفادة من المساعدات، وآليات التظلم والرقابة، بما يضمن عدم توظيف المال الاجتماعي في المنافسة الانتخابية. كما أن الثقة في إدارة هذه البرامج لا تبنى بالخطب، بل بضمانات عملية تمنع التمييز والاستغلال.

الاتحاد الأوروبي مطالب بمتابعة الأثر، لا الاكتفاء بالشراكة

إن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تمثل فرصة مهمة لدعم التنمية المحلية وتحسين ظروف الفئات الهشة، لكن نجاحها لا يُقاس بمتانة العلاقات الدبلوماسية، ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما تحققه من تغيير حقيقي في حياة السكان.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي أن تقترن المشاريع الجديدة بنشر المعلومات المتعلقة بميزانياتها وأهدافها ومراحل تنفيذها، وبآليات مستقلة لتقييم نتائجها، مع إشراك سكان الحي المستهدف في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ.

كما أن على جهة نواكشوط تقديم حصيلة واضحة للمشاريع والتمويلات السابقة، توضح ما أُنجز وما تعثر، وما تحقق من أثر اجتماعي واقتصادي، بدل الانتقال من اتفاقية إلى أخرى دون نقاش عام جاد حول النتائج.

فالمشكلة ليست في توقيع اتفاقية جديدة، بل في ضمان ألا تصبح الاتفاقيات غاية في حد ذاتها، بينما يظل الفقراء مجرد مستفيدين مفترضين في البيانات الرسمية، ومهمشين في واقعهم اليومي.

إن سكان الحي «16-05» لا يحتاجون إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى نتائج قابلة للقياس، ومشاريع تنجز في آجالها، ومساعدات تُوزع بعدالة، وإدارة محلية تخضع للمساءلة.

أما إذا ظلت التنمية تقاس بعدد الاتفاقيات والصور التذكارية، لا بعدد الأسر التي تحسنت ظروفها المعيشية، فسيبقى السؤال قائمًا: هل تنجح هذه التمويلات في انتشال سكان الهامش من الهشاشة، أم تستمر دورة التمويل والإعلان، فيما يظل الفقر وحده صاحب الحضور الدائم على الأرض؟

 

 

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

كاتب ، صحفي ، انواكشوط

زر الذهاب إلى الأعلى