الاقتصاد

اتفاق الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي.. مفاوضات متعثرة واختبار لسيادة المصالح الوطنية

الإتحاد – انواكشوط

تدخل المفاوضات بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي لتجديد بروتوكول اتفاقية الصيد مرحلة حساسة، مع اقتراب انتهاء العمل بالبروتوكول الحالي في 14 نوفمبر 2026، دون الإعلان عن التوصل إلى اتفاق نهائي جديد، وفقًا للمعلومات المتاحة حتى 20 أكتوبر. ويضع هذا التأخر قطاع الصيد الموريتاني أمام اختبار حقيقي: هل تنجح نواكشوط في تحويل أهمية ثرواتها البحرية إلى مكاسب اقتصادية وتنموية ملموسة، أم يستمر الاتفاق في تحقيق المنافع المتبادلة من دون أن ينعكس العائد المنتظر على الصيادين المحليين والاقتصاد الوطني بالقدر الكافي؟
لا تقتصر أهمية هذا الملف على تجديد الترتيبات التي تسمح للأساطيل الأوروبية باستغلال الموارد البحرية الموريتانية، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة الشراكة نفسها، ومدى قدرة الحكومة على التفاوض وفق رؤية وطنية واضحة توازن بين العائد المالي، وحماية الثروة السمكية، وتطوير أسطول الصيد المحلي، وتعزيز فرص العمل والقيمة المضافة داخل البلاد.

أولًا:
● مفاوضات تحت ضغط
الوقت والمصالح الأوروبية

تُظهر المعطيات المنشورة أن المفاوضات لم تصل، حتى الآن، إلى تسوية نهائية للخلافات العالقة. وقد وصف مفوض الاتحاد الأوروبي للصيد والمحيطات، كوستاس كاديس، تجديد الاتفاق بأنه أولوية قصوى، معلنًا سعي المفوضية إلى استئناف الاتصالات لإيجاد تسوية، بعدما لم ينجح تبادل الرسائل بين الطرفين في تجاوز نقاط الخلاف.
ويكشف التحرك الأوروبي عن حجم الرهان الاقتصادي المرتبط باستمرار الاتفاق؛ فالبروتوكول الحالي يتيح لسفن تابعة لعشر دول أوروبية الصيد في المياه الموريتانية، ضمن سقف يصل إلى 280,050 طنًا سنويًا من أنواع مختلفة، تشمل الروبيان والأسماك القاعية والتونة والأسماك السطحية الصغيرة. وفي المقابل، يقدم الاتحاد الأوروبي مساهمة مالية سنوية إجمالية تبلغ 60.8 مليون يورو، يُخصص منها في المتوسط 3.3 ملايين يورو سنويًا لدعم التنمية المستدامة لسياسة الصيد الموريتانية.

ولم يقتصر الضغط على المفوضية الأوروبية؛ فقد دعت إسبانيا إلى تكثيف المفاوضات تفاديًا لاضطرار أسطولها، إلى جانب الأساطيل الأوروبية الأخرى، إلى مغادرة المياه الموريتانية مع انتهاء البروتوكول. وتؤكد هذه التحركات أن استمرار الوصول إلى الثروة البحرية الموريتانية يمثل مصلحة مباشرة لعدد من الدول الأوروبية، وهو ما يمنح نواكشوط ورقة تفاوضية ينبغي استثمارها بعقلانية وصرامة.

إن تقديم الاتفاق باعتباره مصدرًا مهمًا للإيرادات لا يعفي السلطات الموريتانية من تقييم نتائجه الفعلية. فالمبالغ التي تدخل الخزينة العامة ليست المعيار الوحيد لنجاح شراكة تتعلق بثروة طبيعية استراتيجية، بل يجب قياسها أيضًا بما تحققه من فرص عمل، ونقل للخبرات والتكنولوجيا، وتطوير للبنية التحتية، وتحسين لقدرة الصيادين الوطنيين على المنافسة.
وتزداد أهمية هذا التقييم في ضوء الملاحظات الواردة في تقييم أوروبي سابق للبروتوكول، الذي أشار إلى أن بعض فرص الصيد الممنوحة تجاوزت الاحتياجات الفعلية للأساطيل، ما أدى إلى ضعف الاستغلال في بعض الحالات، فضلًا عن تأخر تنفيذ جوانب من الدعم القطاعي ومحدودية أثرها. كما أثار التقييم ملاحظات بشأن استخدام الأموال المخصصة لدعم قطاع الصيد

وهذه المعطيات تطرح أسئلة جوهرية أمام الطرفين: هل تتناسب فرص الصيد الممنوحة مع الوضع الفعلي للمخزون البحري؟ وهل تُترجم الأموال المخصصة للدعم إلى مشروعات قابلة للقياس، أم يظل جزء من أثرها التنموي دون المستوى المأمول؟ وما حجم المنافع التي تصل إلى الصيادين التقليديين والعاملين في الأنشطة المرتبطة بالصيد؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب نشر بيانات واضحة عن الإيرادات المحصلة، وحجم المصيد الفعلي، والمشروعات الممولة، ونسب تنفيذها، والوظائف التي توفرها. كما تتطلب إخضاع برامج الدعم للرقابة والتقييم، حتى لا يصبح الاتفاق مجرد معادلة مالية بين الحكومتين، بينما تبقى آثاره الاجتماعية والاقتصادية موضع تساؤل.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تتجه موريتانيا إلى التفاوض على تحسين العائد الوطني الحقيقي، لا الاكتفاء بمناقشة الرقم الإجمالي للمساهمة الأوروبية. فالقيمة المضافة التي تُخلق داخل البلاد، ونصيب الصيادين المحليين من الموارد، وحجم الاستثمار في الصناعات التحويلية والتخزين والتسويق، كلها عناصر لا تقل أهمية عن المقابل المالي المباشر.

لا يمكن فصل المفاوضات المالية عن البعد البيئي والعلمي. فالثروة البحرية ليست موردًا متجددًا بلا حدود، وأي اتفاق لا يراعي قدرة المخزونات السمكية على التجدد قد يحقق إيرادات قصيرة الأجل، لكنه يهدد فرص الأجيال المقبلة في الاستفادة من هذا المورد.
وفي مؤشر على حساسية هذا الجانب، أثارت مناقشات داخل المؤسسات الأوروبية تساؤلات بشأن تأخر معالجة توصيات علمية تتعلق بحماية خمس مناطق بحرية مقترحة من أنشطة الصيد بالجر القاعي. وفي رد نُشر في 16 أكتوبر 2026، أوضحت المفوضية الأوروبية أن هذه المناطق لم تُناقش بندًا مستقلًا خلال المفاوضات الخاصة بالبروتوكول الجديد، وهو ما يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل حول مدى إدماج التوصيات العلمية في شروط النفاذ إلى المياه الموريتانية.

إلزام الطرفين بالشفافية والتقييم الدوري، عبر نشر بيانات الإيرادات والمصيد والتراخيص والمشروعات الممولة، وإتاحة نتائج التقييم أمام الرأي العام والجهات الرقابية.
ربط فرص الصيد بضمانات علمية وبيئية صارمة، تحمي المخزونات البحرية وتضمن ألا تتحول العائدات الحالية إلى خسائر اقتصادية وبيئية مستقبلية.
ولا يعني التشدد في هذه المطالب رفض التعاون مع الاتحاد الأوروبي، بل العكس: فالشراكة المتوازنة هي التي تضمن مصالح الطرفين وتمنع تحول الاختلالات إلى مصدر للتوتر في المستقبل.

● من تجديد الاتفاق إلى تجديد شروطه

تكشف المفاوضات الحالية أن الاتحاد الأوروبي حريص على استمرار وصول أساطيله إلى المياه الموريتانية، بينما لا تزال التسوية النهائية للخلافات عالقة، وفق المعطيات المنشورة. وقد دعت دول أوروبية إلى تسريع المحادثات والنظر في إمكان تمديد البروتوكول إذا تعذر التوصل إلى اتفاق قبل انتهائه، لكن هذه الدعوات لا تعني أن التمديد قد أُقر بالفعل.

وتكمن المعضلة الحقيقية أمام نواكشوط في قدرتها على تحويل هذه المصلحة الأوروبية إلى مكاسب وطنية قابلة للقياس، بدل الاكتفاء بتجديد الترتيبات القائمة. فالمفاوضات الناجحة ليست تلك التي تضمن استمرار السفن في الصيد فحسب، وإنما التي تضمن أيضًا أن تستفيد موريتانيا من ثروتها البحرية في بناء اقتصاد منتج، وتوفير فرص العمل، وحماية البيئة، وتعزيز الرقابة والشفافية.
إن الثروة البحرية الموريتانية ليست امتيازًا تفاوضيًا عابرًا، بل حق اقتصادي وطني ومسؤولية تجاه الأجيال المقبلة. ولذلك، فإن معيار نجاح الاتفاق الجديد يجب ألا يكون سرعة توقيعه أو رضا الأساطيل الأوروبية عنه، بل مقدار ما يحققه للمواطن الموريتاني من عائد عادل، وللقطاع الوطني من تطور، وللثروة البحرية من حماية واستدامة.

تقرير صحفي
محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

زر الذهاب إلى الأعلى