المهندس مولاي ولد جدو.. بنتشل كوميكا من حافة الإفلاس إلى رهان النهضة الصناعية؟

● تقرير إقتصادي
قيادة تحول من استعادة التوازن المالي والإنتاجي إلى توسيع القدرات الصناعية، وتعزيز التصنيع المحلي، وخلق فرص العمل
في عالم الصناعة، لا تقاس كفاءة الإدارة بمجرد تسيير المؤسسات والمحافظة على سير العمل اليومي، بل بقدرتها على إنقاذ الشركات المتعثرة، واستعادة ثقة الشركاء، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو، والإمكانيات المحدودة إلى مشاريع منتجة. ومن هذا المنظور، تبرز تجربة المهندس مولاي ولد جدو على رأس شركة كوميكا (COMECA)، بوصفها تجربة تستحق التوقف عندها، بالنظر إلى ما ينسب إليها من جهود لإعادة إنعاش الشركة وتهيئتها لمرحلة جديدة من التطوير والتوسع الصناعي.
فالشركة التي كانت، تواجه صعوبات تهدد استمرارية نشاطها، تتجه اليوم نحو توسيع منشآتها، وتعزيز قدراتها الإنتاجية، وتطوير حضورها في مجال الصناعات الميكانيكية، في مسار يعكس أهمية الإدارة الفنية القادرة على الجمع بين الرؤية الاقتصادية والخبرة الهندسية ومتطلبات الإنتاج.
من إدارة الأزمة إلى صناعة الفرص
إن إنقاذ مؤسسة صناعية من التعثر ليس مهمة إدارية عادية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشركة تعمل في قطاع يتطلب استثمارات معتبرة، وتجهيزات متخصصة، وكفاءات فنية، والتزاما صارما بمعايير الجودة والسلامة.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح الأولوية هي استعادة القدرة على الإنتاج، وتحسين استخدام الموارد، وإعادة تنظيم العمل، وبناء علاقة أكثر فاعلية مع الزبائن والشركاء الاقتصاديين.
ومن هنا تكتسب تجربة مولاي ولد جدو أهميتها؛ إذ إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز مرحلة الصعوبات، بل في الانتقال من منطق المحافظة على المؤسسة إلى منطق تطويرها وتوسيع نشاطها.
وهذا التحول، إذا ما تأكدت استدامته من خلال النتائج المالية والإنتاجية، يمثل مؤشرا مهما على إمكانية إعادة تأهيل المؤسسات الصناعية الوطنية، بدل تركها رهينة التعثر أو الارتهان الدائم للمنتجات والخدمات المستوردة.
كوميكا.. حلقة أساسية في منظومة الصناعة الوطنية
تكتسب شركة كوميكا أهمية خاصة من ارتباط نشاطها بالاحتياجات الصناعية للشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم»، إحدى أبرز المؤسسات الاقتصادية في موريتانيا.
فالصناعة المنجمية لا تقوم على استخراج المعادن ونقلها فحسب، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من الصناعات والخدمات المساندة، تشمل صيانة المعدات، وتصنيع القطع الميكانيكية، وتجهيز المنشآت، وتوفير مستلزمات التشغيل، وضمان استمرارية الإنتاج.
وكلما تطورت القدرات المحلية في هذه المجالات، تراجعت الحاجة إلى الاستيراد، وانخفضت بعض تكاليف الصيانة والتوريد، وتعززت قدرة الاقتصاد الوطني على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل البلاد.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير كوميكا لا ينبغي النظر إليه باعتباره شأنا يخص شركة بعينها، بل باعتباره جزءا من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل التصنيع المحلي، وقدرة موريتانيا على بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعا واستقلالية.
وتبرز هنا أهمية الدور المنسوب إلى إدارة مولاي ولد جدو في تعزيز الإنتاج، وتحديث التجهيزات، وتطوير تصنيع القطع الميكانيكية محليا، وهي مسارات يمكن أن تفتح آفاقا واعدة أمام الكفاءات الوطنية، إذا ما اقترنت بالجودة والتنافسية والاستثمار المستمر في التكنولوجيا.
توسعة كانصادو.. استثمار في المستقبل الصناعي
من أبرز المؤشرات على طموح التوسع الصناعي في كوميكا، المشروع المعلن لتوسعة منشآتها في منطقة كانصادو بمدينة نواذيبو، بغلاف مالي أولي يبلغ 207 ملايين أوقية جديدة، وعلى مساحة تصل إلى 2000 متر مربع، وفق المعطيات الواردة بشأن المشروع.
ولا تكمن أهمية هذا الاستثمار في حجمه المالي أو المساحة التي سيشغلها فحسب، وإنما في طبيعة التحول الإنتاجي الذي ينتظر أن يحققه.
فالمشروع يستهدف رفع القدرة الإنتاجية للشركة إلى 120 عربة قطار سنويا بعد اكتمال التوسعة، وهو هدف يحمل دلالات اقتصادية مهمة، بالنظر إلى حاجة المنظومة المنجمية إلى وسائل النقل الحديدي وتجهيزاتها، وما يتطلبه ذلك من قدرات فنية وصناعية متخصصة.
وإذا نجحت الشركة في بلوغ هذا المستوى من الإنتاج، فإنها ستكون أمام فرصة لتعزيز موقعها ضمن سلسلة الإمداد الصناعي، وتطوير خبراتها في مجال تصنيع مكونات النقل الحديدي، وتوسيع قاعدة أعمالها المرتبطة باحتياجات «سنيم».
كما أن تصنيع المعدات محليا، متى استوفى معايير الجودة والكلفة والموثوقية، يمكن أن يقلص آجال التوريد، ويحد من بعض أعباء الاستيراد، ويمنح الاقتصاد الوطني فرصة إضافية لتوطين التكنولوجيا والخبرة.
ومع ذلك، فإن الأثر الاقتصادي الكامل للمشروع سيظل مرتبطا بمدى تنفيذ البرنامج في الآجال المحددة، وتحقيق الطاقة الإنتاجية المستهدفة، وضمان وجود طلب مستدام على المنتجات، إلى جانب التحكم في تكاليف الإنتاج والمحافظة على تنافسية الشركة.
62 فرصة عمل.. الاستثمار في الإنسان قبل الآلة
من بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية اللافتة في مشروع التوسعة، التوقعات المتعلقة بتوفير 62 فرصة عمل مباشرة، مع إعطاء الأولوية للعمالة المحلية وتطوير الكفاءات الوطنية.
فالاستثمار الصناعي لا يقاس فقط بما يضيفه من آلات ومنشآت، وإنما أيضًا بما يتيحه من فرص للشباب لاكتساب المهارات والخبرات، والانتقال من البطالة أو الأعمال الهشة إلى وظائف مستقرة ومنتجة.
وتزداد أهمية هذا الجانب في بلد يحتاج إلى توسيع قاعدة الوظائف الفنية والمهنية، وربط التكوين بالتشغيل، وتطوير تخصصات قادرة على خدمة القطاعات الإنتاجية بدل حصر فرص العمل في الوظائف الإدارية والخدمات التقليدية.
ومن هنا، فإن التحدي أمام كوميكا لا يقتصر على توظيف العمال، بل يشمل بناء مسار مهني واضح لتأهيلهم، وتطوير مهاراتهم، ونقل الخبرات إليهم، وإعداد جيل من الفنيين والمهندسين القادرين على إدارة التكنولوجيا الصناعية وصيانتها وتطويرها.
كما أن تحسين ظروف العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي، وتسوية الوضعيات المهنية للعمال، وفق ما أوردته تقارير صحفية، تمثل عناصر مهمة في بناء بيئة إنتاجية مستقرة، قوامها احترام حقوق العامل وربط الأداء بالمسؤولية والإنجاز.
فالمؤسسة الصناعية الناجحة هي التي تدرك أن العامل ليس مجرد عنصر في حسابات الإنتاج، بل شريك أساسي في تحقيق الجودة والاستمرارية.
من التصنيع المحلي إلى نقل التكنولوجيا
تواجه الصناعات الوطنية تحديا مزدوجا: تلبية احتياجات السوق من جهة، والانتقال التدريجي من استيراد المنتجات الجاهزة إلى تصنيعها محليًا من جهة أخرى.
وهذا الانتقال لا يتحقق بمجرد توفير الورشات والمعدات، بل يتطلب استثمارات في البحث والتطوير، وتكوينا تقنيا مستمرا، وشراكات مع المؤسسات المتخصصة، وقدرة على احترام المعايير الصناعية المعتمدة.
وفي هذا السياق، فإن توجه كوميكا نحو تحديث التجهيزات وتطوير وسائل الرفع والمناولة وتوسيع قدراتها التصنيعية يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء خبرة صناعية أكثر رسوخًا.
كما أن تنويع المشاريع، بما في ذلك تصنيع وتركيب مستودع لتخزين المواد المتفجرة لصالح شركة كينروس تازيازت، وفق المعطيات المقدمة، يعكس إمكانية توسيع نطاق الخدمات الصناعية التي تقدمها الشركة، شريطة الالتزام الصارم بالمعايير الفنية ومتطلبات السلامة الخاصة بهذا النوع من المنشآت.
ويمنح هذا التنوع المؤسسة فرصة لتقليل الاعتماد على نشاط واحد، وتوسيع قاعدة زبائنها، وتطوير قدراتها على الاستجابة لاحتياجات قطاعات اقتصادية مختلفة.
لكن الرهان الأكبر يظل في قدرة الشركة على تحويل الخبرات المكتسبة إلى معرفة مؤسسية مستدامة، لا ترتبط بشخص المدير وحده، وإنما تصبح جزءا من ثقافة العمل وأنظمة الإنتاج والتكوين داخل المؤسسة.
الإدارة الناجحة.. ما وراء الأرقام والانطباعات
إن الإشادة بأي تجربة إدارية لا تكتمل بمجرد سرد الإنجازات المعلنة، مهما كانت أهميتها، بل تحتاج إلى قراءة موضوعية للنتائج، والتمييز بين ما تحقق بالفعل وما يزال في طور التنفيذ، وبين الطموحات المستقبلية والمؤشرات الاقتصادية القابلة للقياس.
وبالنسبة إلى كوميكا، فإن الحكم الشامل على نجاح مسار التعافي والتوسع يتطلب الاطلاع على تطور رقم الأعمال، والنتائج المالية، وحجم الإنتاج الفعلي، ومستوى المديونية، ومردودية الاستثمارات، وعدد الوظائف التي تم استحداثها بالفعل، ومدى استدامتها.
كما أن الشفافية في عرض النتائج، وتوضيح كلفة المشاريع ومصادر تمويلها، وقياس أثرها على الاقتصاد المحلي، ستمنح تجربة الشركة مصداقية أكبر، وستسمح بتقييمها
وفي المقابل، فإن أي تحسن مستدام في الأداء المالي والإنتاجي، أو نجاح في توسيع قاعدة التصنيع المحلي، أو توفير وظائف فنية مستقرة، سيكون مؤشرات ملموسة تستحق التقدير، ويمكن أن تقدم نموذجًا مفيدًا لبقية المؤسسات الوطنية.
كوميكا واختبار التحول الصناعي
إن تجربة المهندس مولاي ولد جدو، كما تعكسها المعطيات المتعلقة بإعادة إنعاش كوميكا ومشاريع توسعتها، تفتح النقاش حول مسألة تتجاوز شخص المدير أو حدود المؤسسة: كيف يمكن لموريتانيا أن تنتقل من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استخراج موارده الطبيعية واستيراد كثير من احتياجاته الصناعية، إلى اقتصاد يمنح التصنيع المحلي مكانة أكبر في دورة الإنتاج والتنمية؟
الإجابة تبدأ بإدارة كفؤة، لكنها لا تنتهي عندها؛ إذ تحتاج إلى استثمارات مستدامة، وتكوين مهني جاد، وحوكمة شفافة، وشراكات اقتصادية فعالة، وبيئة تسمح للمؤسسات الوطنية بالمنافسة والابتكار.
وفي هذا الإطار، فإن الرهان على تطوير كوميكا لا يتعلق فقط برفع إنتاج عربات القطارات أو تحديث الورشات، بل ببناء قدرة صناعية وطنية يمكنها خلق القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التكامل مع القطاعات الإنتاجية الكبرى.
وإذا ترجمت مشاريع كوميكا المعلنة إلي نتائج مستدامة،عاي المدي البعيد فإنها ستشكل خطوة تستحق التقدير في مسار بناء صناعة موريتانية أكثر قدرة على الاعتماد على الذات.
محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب ، صحفي medabd388@gmail







