أخبار وطنية

حين تختفي وثيقة الاستقلال… يصبح الإحتفال ناقصا

 

محمد عبد الرحمن عبدالله

الإتحاد – نواكشوط

 

في بلادٍ تُفاخر بتاريخها، وتقدّم نفسها بوصفها دولةً عريقة تمتد جذورها إلى أعماق الصحراء، يصعب أن نتخيّل ـ ولو في أسوأ الكوابيس ـ أن وثيقة استقلالها يمكن أن تضيع… هكذا ببساطة! ومع ذلك، هذا ما كشفته صحيفة إندبندنت عربية: وثيقة استقلال موريتانيا الأصلية اختفت منذ سنوات، بعدما “استعارها” باحثٌ من الأرشيف الوطني… ولم يُعدها.

قد يبدو الخبر مادةً ساخرة في بلد آخر، لكنه عندنا يتحوّل إلى مرآةٍ كاشفة: مرآةٍ تعكس هشاشة مؤسساتنا، وضعف إدارتنا، واستهانتنا المتواصلة بكل ما هو عام ووطني وتاريخي. كيف يمكن لدولةٍ تحترم نفسها أن تترك وثيقةً بهذا الحجم في يد باحث، دون سجلّ متابعة، دون توقيع رسمي، ودون أي حرص على استرجاعها؟ من سمح؟ من يتحمّل المسؤولية؟ وأين كان الأرشيف الوطني؟ أسئلة معلّقة في الهواء… والهواء عندنا يبتلع الأسئلة كما يبتلع الملفات.

● ذاكرة وطن تُباع في أسواق الورق

الأدهى من ذلك أنّ تحقيق الصحيفة لم يقف عند الوثيقة المفقودة؛ بل تحدّث عن وثائقٍ تاريخية تُباع في أسواق خردة الورق، وتُستخدم لتغليف البضائع في نواكشوط. أي عبثٍ هذا؟ كيف نطلب من الأجيال الجديدة احترام تاريخٍ لا نحترم نحن وثائقه؟ وكيف ندّعي حماية الذاكرة الجماعية والوثائق الأصلية تُباع بالكيلوغرام؟

بلدٌ بلا ذاكرة، هو بلدٌ بلا دفاع. والتاريخ الذي لا يُصان، يصبح ملكاً لكل من يريد تزويره أو إعادة كتابته حسب الهوى والمصلحة.

● هل هو مجرد إهمال… أم فساد صامت؟

اختفاء وثيقة الاستقلال ليس حادثاً عرضياً. هو نتيجة منطقية لسلسلة طويلة من الإهمال الإداري، وربما لفسادٍ خفيّ في إدارة الوثائق. كيف نعرف أن الوثيقة لم تُبع؟ أو لم تُهدَ؟ أو لم تُهرَّب؟ في بلد اعتادت فيه بعض المؤسسات على “ثقافة الاستعارة الأبدية”، يصبح كل شيء ممكناً.

وإن كان الأمر فعلاً مجرد “تصرف فردي”، فإن السؤال الأكثر إزعاجاً هو:
كيف تسمح منظومة كاملة بهذا النوع من العبث؟

● آن الأوان… لفتح تحقيق شفاف

هذه ليست قضية صحفية، ولا حادثاً بروتوكولياً. هذا انتهاك صريح لحقّ شعبٍ كامل في ذاكرته، وفي رموزه التاريخية، وفي وثيقة ولادته كدولة مستقلة.
إن كان للبلد أي احترام لنفسه، ولتاريخه، ولصورة مؤسساته، فيجب:

  • فتح تحقيق رسمي شامل في اختفاء الوثيقة،
  • نشر نتائج التحقيق للرأي العام،
  • محاسبة كل من تهاون أو قصّر أو تستر،
  • إعادة هيكلة إدارة الأرشيف الوطني بما يضمن حفظ الوثائق الحساسة،
  • واسترجاع الوثيقة — أو الإعلان عن مصيرها الحقيقي دون مواربة.

لأن صمت الدولة في مثل هذه القضايا ليس سوى دعوة مفتوحة لمزيد من التسيّب والعبث.

● ختاماً…

الدول تُقاس بما تحفظه من ذاكرتها لا بما تخسره. وإن كانت وثيقة الاستقلال نفسها لا تجد من يحميها، فماذا عن بقية الملفات؟
وماذا عن التاريخ الشفهي؟
وماذا عن أرشيف المحاكم، والمعاهد، والوزارات، والبلديات؟

الذاكرة الوطنية ليست ترفاً… بل أساس السيادة. وإذا كان البعض يتعامل معها بعقلية “الاستعارة البدوية”، فإن على الدولة أن تتعامل معها بعقلية الدولة؛ دولة تحمي ما تبقى من شرف تاريخها.

هل نملك الشجاعة للبدء؟ أم سنترك الوثيقة تضيع… كما ضاع قبلها الكثير؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى