أخبار دولية

رحلة جوية غامضة من غزة إلي جنوب إفريقيا

في واحدة من أكثر القصص إنسانية وإثارة للجدل منذ اندلاع الحرب على غزة، تكشف تفاصيل جديدة عن رحلة غامضة هبطت في جنوب أفريقيا محمّلة بأكثر من 150 فلسطينياً بلا وثائق سفر، كأنهم وصلوا من “اللا مكان” إلى دولة بعيدة لم يعرفوا حتى إن كانت ستسمح لهم بالنزول.

لم تكن رحلة إجلاء، بل أشبه بطرد صامت من الجغرافيا.
طائرة مستأجرة، عائلات منهكة، أطفال يبكون، وركاب محتجزون لساعات داخل الطائرة لأن سلطات جنوب أفريقيا لم تعرف كيف تتعامل مع وجودهم المفاجئ. البعض وصف المشهد بأنه “تهجير قسري منظم”، وليس مجرد رحلة إنسانية.

الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا لم يتردد في فتح تحقيق تقوده أجهزة المخابرات، بعد أن تبيّن أن الركاب نُقلوا سراً من غزة عبر كينيا، ثم تُركوا لمصير مجهول عند وصولهم. السفارة الفلسطينية نفسها قالت إن “جهة غير رسمية مضلّلة” استغلت حاجة العائلات، رتّبت الرحلة ثم اختفت عندما بدأت الأسئلة تلاحقها.

في الجانب الآخر، ظهر تصريح غريب من مصدر عسكري إسرائيلي يحمّل منظمة تدعى “المجد” مسؤولية العملية، مدعياً أن إسرائيل أشرفت على نقل الركاب من غزة إلى مطار رمون. منظمات جنوب أفريقية ردّت فوراً: “هذه منظمة واجهة مرتبطة بإسرائيل”، لكن دون أدلة كافية… حتى الآن.

وبعد ضغط من مجموعات حقوقية ومنظمة Gift of the Givers، سُمح لـ130 شخصاً بدخول البلاد، بينما اضطر 23 آخرون لمواصلة رحلة التيه إلى دول لا يعرفونها.

لكن الأخطر من القصة نفسها، هو ما تخفيه الأرقام.
وكالة أسوشيتد برس نقلت عن مسؤولين إسرائيليين تأكيدهم مغادرة نحو 40 ألف فلسطيني غزة منذ بدء الحرب. هل هي عمليات إنسانية؟ أم مخطط طويل لتجريد الأرض من سكانها، رحلة بعد أخرى، طائرة بعد أخرى؟

المنظمة الجنوب أفريقية ذاتها أكدت أن هذه ليست الحادثة الأولى:
في أكتوبر الماضي حطت طائرة مشابهة تقل أكثر من 170 فلسطينياً، بالأسلوب نفسه، والظروف نفسها، والريبة نفسها.

الحدث لم يأتِ في فراغ.
جنوب أفريقيا تقود الآن قضية أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. ومعركة القانون هذه تجري في الوقت ذاته الذي تهبط فيه طائرات غامضة تحمل ناجين من الموت… لا أحد يعرف من أخرجهم، ولا إلى أين سيذهبون.

إنه فصل جديد من المأساة الفلسطينية:
تهجير صامت دون دماء مرئية، بلا دخان، بلا قصف… لكنه تهجير مع ذلك.
فمن الذي يقف وراء هذه الرحلات؟
ومن يكتب أسماء الفلسطينيين على قوائم المغادرين… ومن يشطب اسم غزة من التاريخ؟

زر الذهاب إلى الأعلى