قصة صحفية: تامبادو ضحية العذاب والموت

بقلم : محمدعبدالرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي إجتماعي وحقوقي
في مساءٍ بارد من ليالي نوفمبر عام 1990، كان الملازم عبد الله تامبادو مجرد رقمٍ آخر في قافلة من الرجال الذين اقتيدوا بصمت، لكن القدر كان يُعد له مأساةً مختلفة، أكثر قسوة، وأكثر صمتًا.
اعتُقل تامبادو يوم 19 نوفمبر، ولم يُسمح له حتى بالتقاط أنفاسه. نُقل مباشرة إلى حامية إينال، حيث تتحول الأجساد إلى ظلال تحت التعذيب، وتنطفئ الأرواح ببطء في زنازين لا يدخلها الضوء. هناك، بدأ جسده يخذله، ينهار بصمت، كما لو أن قلبه كان يسبق الزمن لينهي رحلته قبل أن تُطفأ آخر شرارة حياة فيه.
وفي السادس من ديسمبر… حدث ما يشبه المعجزة. زاره العقيد أعل ولد محمد فال، مدير الأمن حينها. كان المشهد صادمًا: رجل بالكاد يتنفس، جلد على عظم، وعينان موحلتان بالوجع. ولأول مرة، أطل الأمل. أصدر العقيد أوامر فورية:
“انقلوه بالطائرة حالًا… إلى الزويرات أو إلى نواكشوط… المهم أن يُنقذ.”
تحرك الجنود، وتهيأت السيارة العسكرية. بدا الأمر وكأن الحياة تصالحه أخيرًا… ولكنها كانت مجرد مصالحة خادعة.
فبمجرد أن غادر العقيد بوابة الحامية، غادر معه الحظ. نُقل عبد الله تامبادو… لكنه لم يصل أبدًا. لا إلى الزويرات، ولا إلى نواكشوط. انقطع أثره كمن يبتلعه الظلام في منتصف الطريق.
قال رفاقه إنهم سمعوا همسًا خافتًا تلك الليلة:
“قتلوه بين الحامية والمطار… لم يتحملوا فكرة أن يخرج حيًا.”
الملازم محمدو سي كان آخر من حمل خبرًا عنه. ذهب إلى أسرته، وبلسان متردد قال الكلمات التي تهوي كالسكاكين:
“لقد مات… مات في الطريق.”
لكن أين جثته؟ أين دُفن؟
سؤال يطفو منذ 35 عامًا ولا يجد جوابًا.
لم تستلم الأسرة جثمانه، لم تُكتب له جنازة، لم يقرأ أحد سورتي الفاتحة والملك على قبره… لأنه لا قبر.
هكذا انتهت رحلة رجل كان حظه في الحياة ضئيلاً… وحظه في الموت أقل.
رحمه الله…
وجعل مظلمته شاهدًا في يوم لا تُخفى فيه خافية.







