أخبار دولية

موريتانيا بين صوت الدولة ونبض الشارع: قراءة الموقف من توترات الشرق الأوسط

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

medabd388@gmail.com

صحفي ، وكاتب.. أنواكشوط

في لحظات التصعيد الدولي، لا تُختبر فقط قوة الدول الكبرى، بل تُختبر أيضًا قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة على الحفاظ على توازنها السياسي والدبلوماسي. وموريتانيا اليوم تجد نفسها أمام هذا الاختبار، مع احتدام التوترات في الشرق الأوسط وتصاعد المواجهة بين إيران والقوى الغربية.
فبينما تضبط الدولة الموريتانية بوصلتها وفق حسابات الاستقرار والالتزامات العربية والدولية، يميل جزء معتبر من الشارع والأحزاب السياسية إلى التعبير عن تضامن وجداني يرفض التدخلات الغربية ويُظهر تعاطفًا مع إيران باعتبارها طرفًا في مواجهة ضغط دولي واسع. وبين الموقفين، تتشكل معادلة دقيقة تستحق قراءة هادئة بعيدًا عن الاصطفاف والانفعال.

● الدولة: دبلوماسية الحذر لا الاصطفاف
منذ سنوات، تبنّت موريتانيا سياسة خارجية قائمة على تجنب الدخول في صراعات المحاور. فالدبلوماسية الموريتانية تدرك أن موقع البلاد الجغرافي في منطقة الساحل، وحاجتها إلى الشراكات الاقتصادية والأمنية، يفرضان خطابًا متوازنًا يقوم على الدعوة إلى التهدئة واحترام سيادة الدول، وهو الموقف الذي تنسجم فيه غالبًا مع توجهات جامعة الدول العربية الداعية إلى خفض التصعيد وتفادي توسيع النزاعات.
هذا الحذر لا يعكس حيادًا سلبيًا، بل قراءة واقعية لمصالح دولة تحتاج إلى علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف، خاصة في ظل تحديات الإرهاب والتنمية والهشاشة الاقتصادية في محيط إقليمي مضطرب.

● الشارع والأحزاب: تضامن سياسي أكثر منه اصطفافًا
في المقابل، يظهر داخل الساحة السياسية والمجتمعية خطاب أكثر عاطفية تجاه ما يجري في الشرق الأوسط. فالكثير من الأحزاب والنشطاء ينظرون إلى التدخلات الغربية بعين الريبة، انطلاقًا من إرث تاريخي مرتبط بالصراعات الدولية في المنطقة العربية.
غير أن هذا التعاطف مع إيران لا يعني تبني مشروعها السياسي أو الأيديولوجي، بقدر ما يعكس موقفًا مبدئيًا رافضًا لاستخدام القوة العسكرية والتدخل الخارجي في شؤون الدول. إنه تضامن رمزي تغذيه اعتبارات الهوية والانتماء أكثر مما تحكمه حسابات التحالفات الاستراتيجية.

● لماذا يتفاعل الموريتانيون مع صراع بعيد جغرافيًا؟
رغم المسافة الجغرافية، تبقى قضايا الشرق الأوسط حاضرة بقوة في الوعي الموريتاني لعدة أسباب:
▪︎ الانتماء الثقافي والسياسي للعالم العربي والإسلامي؛
▪︎ التأثير الواسع للإعلام وشبكات التواصل؛
▪︎ الشعور المشترك بقضايا السيادة والعدالة الدولية.
وفي كثير من الأحيان، يتحول النقاش حول الصراعات الخارجية إلى تعبير غير مباشر عن تطلعات داخلية تتعلق بالاستقلال السياسي ورفض الهيمنة الدولية.

● هل تتأثر موريتانيا فعليًا؟
التأثير على موريتانيا ليس عسكريًا أو مباشرًا، لكنه واقعي:
اقتصاديًا، أي اضطراب في أسواق الطاقة أو التجارة العالمية ينعكس على أسعار المعيشة؛
▪︎سياسيًا:

تزداد الضغوط الدولية على الدول الصغيرة لاتخاذ مواقف واضحة؛
▪︎ أمنيًا:

يؤدي التصعيد العالمي أحيانًا إلى تنشيط خطاب التطرف في مناطق الهشاشة الإقليمية.

● التوازن… خيار الضرورة لا التردد
التحدي الحقيقي أمام موريتانيا لا يتمثل في اختيار طرف ضد آخر، بل في الحفاظ على توازن يسمح لها بحماية مصالحها دون الاصطدام بمزاجها الشعبي. فالدولة مطالبة بالحفاظ على علاقاتها الدولية، كما أن الشارع يحتفظ بحقه الطبيعي في التعبير عن تضامنه مع القضايا التي يراها عادلة.
وفي هذا السياق، يبدو الاختلاف بين الموقف الرسمي والمزاج الشعبي ظاهرة صحية تعكس حيوية المجتمع، لا انقسامًا سياسيًا.

موريتانيا، كغيرها من الدول ذات الوزن الجيوسياسي المحدود لكنها ذات الحساسية الإقليمية العالية، تدرك أن الحكمة في زمن الأزمات ليست في رفع الصوت، بل في تجنب الانجراف وراء الاستقطابات الدولية.
ففي عالم تتسارع فيه الصراعات، قد يكون الموقف الأكثر قوة هو ذاك الذي يجمع بين التضامن الإنساني والعقلانية السياسية؛ بين فهم مشاعر الشعوب وحسابات الدول.
وهو توازن صعب… لكنه حتى الآن يظل الخيار الأكثر أمانًا لموريتانيا.

زر الذهاب إلى الأعلى