ول مدو يضع سلفه..خارج الصدارة !

لم يكن تأجيل القامة العلمية والأدبية، الأستاذ ووزير الثقافة الأسبق عبد الله السالم ولد المعلى إلى الليلة الأخيرة من المهرجان مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل كان تصرّفًا فاضحًا يعكس خللًا عميقًا في الذائقة الثقافية، وسوء تقدير لا يليق بمشهد يُفترض أنه يحتفي بالرموز لا يُهمّشها.
ولد المعلى، الذي شهد له القاصي والداني بأنه صاحب اليد الطولى في الثقافة والأدب، وبأنه حامل لواء الكلمة الموريتانية بشقّيها: الفصيح والحساني، لا يحتاج إلى تقديم ولا إلى تزكية. فهو اسم يتقدّم الصفوف طبيعيًا، لا يُزاحم ولا يُؤخَّر، لأن مكانه محفوظ في الصدارة بقدر ما هو محفوظ في الذاكرة الوطنية.
إن تقديم أسماء أقل وزنًا، وأضعف أثرًا، في مجال يعرف الجميع من هو سيّده الحقيقي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه انحدارًا في المعايير وترديًا في مفهوم الاحتفاء بالثقافة. فالمهرجانات ليست مناسبات لتصفية الحسابات الرمزية، ولا منصات لإعادة ترتيب المشهد وفق أهواء تنظيمية أو حسابات ضيقة، بل هي امتحان حقيقي لمدى احترام الدولة لنخبها.
وإذا كانت وزارة الثقافة هي الجهة الوصية على هذا المشهد، فإن عليها اليوم مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية، وتتحمل تبعات هذا التصرف الذي شكّل خيبة أمل واسعة لدى المهتمين بالشأن الثقافي. والحد الأدنى من تصحيح الخطأ يمرّ عبر اعتذار رسمي وصريح لهذه القامة، اعتذار يعيد الاعتبار قبل أن يعيد ترتيب الفقرات.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن تواضع الأستاذ عبد الله السالم ولد المعلى، المعروف بهدوئه وجمّ تواضعه، هو ما جعله يقبل المشاركة رغم هذا التجاهل. غير أن كثيرين يرون – وبحق – أن مقامه كان يفرض عليه الاعتذار عن الحضور، لأن أمثاله لا يكونون فاصلًا، ولا يُستدعون بعد اكتمال العرض، بل يُفتتح بهم المشهد ويُختتم على أسمائهم.
إن ما حدث ليس إساءة لشخص ولد المعلى وحده، بل إساءة للثقافة الموريتانية ذاتها، ولصورتها، ولمفهوم الوفاء لروادها. فالأمم التي لا تُحسن ترتيب رموزها، تُعلن – دون أن تدري – إفلاس ذاكرتها، وفقر رؤيتها، وارتباك بوصلتها.
وفي انتظار مراجعة حقيقية، سيبقى السؤال معلقًا:
هل نملك مهرجانات ثقافية… أم مجرد منصات عابرة بلا ذاكرة ولا معايير؟







