أخبار وطنية

لماذا يخالف دمان ول همر  تعليمات الرئيس؟

في الوقت الذي يرفع فيه رئيس الجمهورية، محمد الشيخ الغزواني، شعار تحريم الاجتماعات القبلية على موظفي الدولة، باعتبارها مظهرًا من مظاهر التخلف السياسي وواحدة من أدوات النفوذ الموازية للدولة، يفاجئ الأمين العام لوزارة الخارجية، الدمان ولد همر، الرأي العام بعقد اجتماع قبلي موسّع في منزله حضره بعض أفراد حاضنته الاجتماعية ونظراؤهم من الحواضن القريبة.

الواقعة ليست مجرد تفصيل عابر؛ إنها خرق صريح ومباشر لتوجيهات رئاسية، ورسالة سلبية تُضعف هيبة السلطة وتطرح سؤالًا قديمًا جديدًا:
لماذا يخالف بعض المسؤولين تعليمات الرئيس؟


1. غياب ثقافة الدولة لدى الكثير من المسؤولين

تعود مثل هذه السلوكيات إلى ضعف ترسّخ مفهوم الدولة في ذهن العديد من المسؤولين. فبدل أن يكون ولاؤهم للمؤسسات والقوانين، يظل الولاء القبلي هو الحاكم الفعلي لسلوكهم.
في موريتانيا، ما يزال الكثير من المسؤولين يرون مناصبهم رصيدًا قبليًا أكثر من كونها أمانة وطنية، وهذا ما يجعلهم يتجاهلون التوجيهات الرسمية متى تعارضت مع مصالح التماسك القبلي أو حسابات النفوذ.


2. شعور بعض المسؤولين بأنهم فوق المحاسبة

أحد أكبر أخطاء الأنظمة الموريتانية المتعاقبة هو ترك مساحات رمادية تسمح للبعض بالتصرف خارج الإطار الرسمي دون أن يطالهم العقاب.
حين يعتقد مسؤول أنه محميّ سياسيا أو اجتماعيا، يصبح تنفيذ التعليمات الرئاسية بالنسبة له اختياريًا وليس إلزاميًا، ويفقد صوت الدولة قوته الرادعة.


3. تناقض الخطاب الرسمي مع الممارسة الفعلية

لدى الرأي العام شعور متزايد بأن خطاب محاربة القبلية لا يرافقه حزمٌ في التنفيذ.مثل  خطاب محاربة الفساد !
فعندما يرى الناس أن موظفًا رفيعًا يترأس اجتماعًا قبليًا دون أن يُستدعى للتحقيق أو مساءلة، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع هي:
“القرار موجود… لكن تطبيقه انتقائي.”

وهذا يشجع الآخرين على التمادي، خاصة أن الرمزية الوظيفية للامين العام – وهو أعلى منصب إداري في الوزارة – تجعل سلوكه معيارًا لبقية الموظفين.


4. استغلال بعض المسؤولين للقبيلة كذراع نفوذ سياسي

لا يمكن إغفال أن بعض المسؤولين يستخدمون قبائلهم كأحزمة دعم تحمي مواقعهم وتمنحهم ثقلاً أمام القيادة.
فالاجتماعات القبلية ليست مجرد لقاءات اجتماعية؛ إنها رسائل قوة داخل النظام السياسي، وتذكير غير مباشر بأن “صاحب المنصب” قادر على تحريك قاعدة قبلية متماسكة، مما يضعف رؤية الدولة الحديثة ويُبقي البلاد أسيرة الولاءات الأولية.


5. التناقض بين دعوات الرئيس ورغبات المتنفذين

يواجه الرئيس غزواني – كما واجه غيره – مقاومة صامتة من داخل أجهزة الدولة، خاصة من أولئك الذين يستفيدون من بقاء القبيلة حاضرة في الإدارة والسياسة.
فكل محاولة لتقليص نفوذ القبيلة تُقابل بتحركات مضادة من بعض المسؤولين الذين يخشون فقدان غطاءاتهم التقليدية.


●  خيار الدولة أم خيار القبيلة؟

إن اجتماع الدمان ولد همر ليس حادثًا فرديًا، بل عرضًا لمرض أعمق تعانيه الإدارة الموريتانية:
صراع بين مشروع دولة حديثة يسعى الرئيس إلى تكريسه، وبين شبكات نفوذ قبلية تتحرك في الخفاء وتؤثر في القرار.

ما لم يُوجَّه إجراء حازم وواضح تجاه كل مسؤول يخالف تعليمات رئيس الجمهورية، فإن هذه الاجتماعات ستستمر، وسيظل خطاب الإصلاح مجرد شعار جميل بلا أثر.

الدولة التي لا تُفرض قراراتها على كبار موظفيها، لا يمكن أن تُقنع مواطنيها بأنها جادة في الإصلاح.

هل يفتح هذا الملف باب المحاسبة؟ أم سيُطوى كما طُويت ملفات أخرى؟

الرأي العام ينتظر الإجابة.

زر الذهاب إلى الأعلى