طموح ولد احويرثي إلى 2029: صراع الأجنحة داخل النظام ومعركة النفوذ قبل الرئاسة
م
حمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ،وكاتب
يثير الصعود السريع لبعض الأحزاب السياسية الجديدة، وعلى رأسها حزب «جمع» بقيادة جميل منصور، أسئلة واسعة في الأوساط السياسية حول معايير الترخيص، خاصة في ظل تعثّر أحزاب أخرى لسنوات أمام أبواب الإدارة. غير أن هذا الجدل لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يشهدها ميزان القوى داخل النظام نفسه، حيث تتقاطع المصالح والطموحات وتتنافس الأجنحة على وراثة مرحلة ما بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
في قلب هذا المشهد يبرز اسم محمد أحمد ولد احويرثي، الذي تحوّل خلال فترة وجيزة من رجل النظام النافذ المقرب من الرئيس، إلى فاعل سياسي يسعى، وفق قراءات عديدة، لتثبيت موقعه كأحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة غزواني في أفق 2029. ويستند هذا الطموح إلى ثلاثة عناصر رئيسية:
● الشبكات داخل السلطة، ومحاولات التأثير على هندسة المشهد الحزبي
.
● صراع الأجنحة: السلطة لا تُدار من مركز واحد
لم يعد النظام السياسي في موريتانيا يُدار من قطب واحد، بل بات فضاءً تتنافس داخله أجنحة متعددة:
▪︎ جناح إداري-أمني يراهن على الاستمرارية وضبط التوازنات.
▪︎ جناح سياسي-مالي يسعى إلى إعادة تشكيل الخارطة الحزبية وخلق واجهات مدنية جديدة.
ومراكز نفوذ تقليدية داخل المؤسسة العسكرية لا تزال ترى نفسها الضامن النهائي لمسار السلطة.
في هذا السياق، يُقرأ صعود ولد احويرثي بوصفه محاولة لخلق قطب مدني مدعوم بالمال والعلاقات، قادر على منافسة الأجنحة التقليدية داخل النظام، أو على الأقل فرض نفسه كرقم صعب في معادلة الخلافة.
تفريخ الأحزاب الصغيرة: هندسة سياسية على المقاس
من بين أبرز أدوات هذا الطموح، وفق متابعين، السعي إلى تشجيع ترخيص أحزاب صغيرة محدودة القاعدة الشعبية. الفكرة هنا لا تقوم على بناء أحزاب جماهيرية قوية بقدر ما تهدف إلى:
▪︎ تفتيت المشهد السياسي،
▪︎ خلق واجهات حزبية يمكن التحكم فيها،
▪︎ إنتاج طبقة من القيادات الحزبية “المدينة بالولاء” لمن سهّل لها
الوجود القانوني والدعم المالي.
ضمن هذا السياق يُفهم الترخيص السريع لحزب «جمع»، وغيره من التشكيلات الصغيرة، باعتباره جزءًا من محاولة إعادة ترتيب الخارطة الحزبية بما يخدم طموحات أفراد داخل السلطة، لا منطق التعددية السياسية الحقيقية.
● جميل منصور: دور خفي يتجاوز رئاسة حزب
يلفت متابعون إلى أن جميل منصور، رغم صورته كرجل سياسي مخضرم، بات يؤدي دورًا يتجاوز حدود رئاسة حزب مرخّص حديثًا. إذ يُنظر إلى نشاطه السياسي الراهن بوصفه جزءًا من حراك أوسع يهدف إلى توفير غطاء سياسي مدني لطموحات ولد احويرثي، سواء عبر معارضة انتقائية لبعض الخيارات داخل النظام، أو من خلال تسويق خطابات إصلاحية يمكن توظيفها لاحقًا في أي مشروع سياسي قادم.
هذا الدور “الوسيط” يمنح ولد احويرثي قناة اتصال مع شرائح سياسية كانت، تاريخيًا، خارج دوائر النفوذ التقليدية، ويتيح له الظهور بمظهر الداعم للتعددية والانفتاح، دون أن يتحمّل هو مباشرة كلفة الاصطفاف السياسي العلني.
● حظوظ التحالف مع السيدة
الأولى: بين البراغماتية والفيتو
السياسي
رغم كل أدوات النفوذ المالي والسياسي، تبقى السيدة الأولى مريم بنت الداه عنصرًا حاسمًا في معادلة التوازن داخل القصر. فمواقفها، وفق قراءات متداولة، لا تنسجم بالضرورة مع طموحات ولد احويرثي، بل يُنظر إليها بوصفها حاجزًا سياسيًا وأخلاقيًا أمام تسليمه مقاليد السلطة، خاصة في ظل حساسيات سابقة وتجارب نفوذ لم تكتمل.
غير أن السياسة لا تخضع دائمًا لمنطق القطيعة الدائمة؛ فبعض الدوائر ترى أن البراغماتية قد تفرض لاحقًا محاولات تقارب أو تحالف ظرفي، إذا ما وجدت السيدة الأولى أن هذا الخيار أقل كلفة من صعود أجنحة أخرى قد تكون أكثر تهديدًا لتوازنات ما بعد غزواني. ومع ذلك، يبقى هذا الاحتمال ضعيفًا في ظل المعطيات الحالية.
● المؤسسة العسكرية: اللاعب الذي لا يغادر الطاولة
في خلفية كل هذه الترتيبات، تظل المؤسسة العسكرية لاعبًا مركزيًا لا يمكن القفز فوقه. فحتى الآن، لا تبدو هذه المؤسسة مستعدة للتنازل الكامل عن دورها في هندسة السلطة، خصوصًا لصالح مدنيين تحيط بهم شبهات علاقات مع شبكات نفوذ خارجية أو تيارات أيديولوجية مثيرة للجدل.
وعليه، فإن أي طموح رئاسي، مهما كان مدعومًا بالمال والتحالفات الحزبية، سيظل رهين قبول ضمني أو صريح من مراكز القوة العسكرية والأمنية، وهو ما يجعل حظوظ ولد احويرثي مرتبطة بقدرته على طمأنة هذه المراكز، لا فقط بناء واجهات سياسية مدنية.
ما يجري اليوم داخل المشهد السياسي الموريتاني ليس مجرد حراك حزبي أو طموحات أفراد، بل هو صراع أجنحة داخل النظام حول من يرث مرحلة ما بعد غزواني. وفي هذا الصراع، يحاول محمد أحمد ولد احويرثي توظيف المال، والعلاقات، وهندسة المشهد الحزبي عبر أحزاب صغيرة وأدوار وساطة سياسية، لفرض نفسه كلاعب رئيسي في أفق 2029.
غير أن الطريق إلى الرئاسة لا يمر فقط عبر النفوذ المالي ولا عبر واجهات حزبية مصنوعة على المقاس، بل يظل رهين توازنات أعمق داخل القصر والمؤسسة العسكرية، ومواقف فاعلين نافذين، في مقدمتهم السيدة الأولى، الذين قد يملكون القدرة على تعطيل هذا المسار أو إعادة توجيهه بالكامل.







