ثقافة

بين السنغال وموريتانيا: نخب تبني الدولة وأخرى تقتات عليها

تكشف الأزمة السياسية في السنغال حجم الفارق بين دولة تملك نخبًا مدنية تؤمن بالمؤسسات، ودولة ما تزال أجزاء واسعة من نخبها السياسية والإدارية تعيش بعقلية “السيبة” والولاء القبلي.
في السنغال، ورغم حدة الصراع السياسي، بقي التملق محدودًا، ولم يتحول الفاعلون السياسيون إلى جوقات مدح وتصفيق. كانت المواقف واضحة، والاصطفافات معلنة، والخلافات تُدار داخل المجال السياسي، لا عبر سباقات النفاق وصناعة الأصنام.
أما عندنا، فغالبًا ما تتحول السياسة إلى سوق مفتوح للمزايدة في الولاء، حيث يُقاس القرب من السلطة بكمية المديح لا بالكفاءة، وتُختزل الوطنية في الدفاع الأعمى عن الأشخاص بدل حماية الدولة والمؤسسات.
كما أظهرت التجربة السنغالية قدرًا كبيرًا من الصبر والتروي في إدارة الخلافات. فباسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو، رغم حداثة تجربتهما السياسية نسبيًا، أدركا أن السياسة ليست انفعالًا لحظيًا ولا تصفية حسابات يومية، بل توازنات دقيقة ونفس طويل. لذلك تجنبا الانجرار السريع إلى الصدام المباشر، وعملا على احتواء التوتر داخل معسكرهما، مع إبقاء كل الاحتمالات السياسية مفتوحة بهدوء حتى أفق 2029.
في المقابل، ما تزال قطاعات واسعة من نخبنا تتعامل مع الدولة كغنيمة، ومع المناصب كوسيلة للثراء وتوزيع الامتيازات، لا كمسؤولية وطنية. مؤسسات الدولة تُدار أحيانًا بعقلية الإرث القبلي، والوطن يتحول إلى خزان للمصالح الخاصة، بينما تغيب الرؤية ويطغى سباق النفوذ والمال وإعادة إنتاج شبكات الولاء التقليدي.
الأهم من ذلك أن الشارع السنغالي أثبت مرة أخرى أنه أكثر وعيًا من كثير من نُخبه، وأنه يدرك أن الديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع فقط، بل تُحمى أيضًا بيقظة المجتمع واستعداده للدفاع عن خياراته حين يشعر بالخطر.
ولهذا يخشى السياسي السنغالي غضب الشارع ويحسب له ألف حساب، بينما ما تزال بعض نخبنا تراهن على إنهاك المواطن بالفقر والبطالة والخدمات المتدهورة، معتقدة أن الشعوب يمكن أن تُدار إلى الأبد بالخوف أو العصبية أو شراء الولاءات.
الدرس السنغالي ليس في الأشخاص، بل في الفرق بين مجتمع يصنع السياسة بعقل الدولة، وآخر ما تزال أجزاء من نُخبه تصنعها بعقلية القبيلة والغنيمة.

زر الذهاب إلى الأعلى