مقالات

هابي شاهدة على جريمة لم تكتمل محاسبتها.. العبودية لا تنتهي بتحرير الضحيةفقط .. بل بمعاقبة المجرمين

 

محمد عبدالرحمن ولد عبدالله

كاتب صحفي مهتم بالشؤون الإجتماعية وحقوق الإنسان

medabd388@gmail.com

 

نحن نحتفي بقصة  هابي بنت رباح أحيانا  وتبكينا أحيانا اخري..وبين الألم والأمل  يولد الإنتصار  .. ولأنها نالت حريتها اخيرا  وأصبحت علي مشارف البرلمان، لكن الاحتفال الحقيقي لا يكون بتحرير ضحية فقط -رغم أهمية ذالك – بل بوصول العدالة إلى كل من استعبدها وأهان إنسانيتها.

عاشت هابي بنت رباح سنوات عمرها الأولى مستعبدة، وتوفيت عنها والدتها وهي لم تتجاوز الخامسة من عمرها، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة اليتم وألأعمال الشاقة والإذلال اليومي وسلب أبسط حقوقها الإنسانية. لم تستعد حريتها إلا سنة 2018، بفضل نضال حركة “إيرا” الحقوقية التي انتشلتها من واقع كان يفترض أن يكون قد انتهى منذ عقود لكن رواسب الجهل والتخلف ابقت عليه حتى الأن .!!

واليوم، أصبحت هابي تنعم بحريتها وانتخبت خلفا لنائب برلماني، في قصة تلخص قوة الإرادة والانتصار على الظلم، لكنها في الوقت نفسه تفضح فشلا أكبر:
فهل عوقب الذين استعبدوها؟ وهل استرد المجتمع حقها كاملا؟ أم أن الضحية وحدها هي التي اضطرت إلى النضال، بينما أفلت الجناة من المحاسبة؟ علينا أن نفكر في من هم في وضعية استعباد ونقوم بتحريرهم.

هذه هي المأساة الحقيقية.

فإذا كان من استعبد امرأة سنوات طويلة يستطيع أن يفلت من العقاب، فما الرسالة التي توجهها الدولة إلى بقية المستعبِدين؟ وإذا كانت هابي، رغم شهرتها ودعم المنظمات الحقوقية، لم تحصل على إنصاف قضائي كامل، فكيف هو حال آلاف الضحايا المجهولين الذين لا صوت لهم ولا إعلام ولا من يدافع عنهم؟

ثم أين المؤسسات الرسمية؟

أين وكالة “تآزر” التي أُنشئت لمحاربة الهشاشة والفقر، ولماذا لم تجعل من هابي نموذجا للدعم الاقتصادي والاجتماعي حتى تبدأ حياة جديدة بكرامة؟ وأين مفوضية حقوق الإنسان؟ وهل يقتصر دورها على إصدار البيانات والمشاركة في الندوات،والتستر علي انتهاكات حقوق الانسان، بينما يعيش ضحايا العبودية آثار الجريمة والامها وحدهم؟

إن تحرير الضحية خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق. فالعدالة الحقيقية تعني ملاحقة الجناة، وتعويض الضحايا، وإعادة إدماجهم في المجتمع، وضمان ألا تتكرر الجريمة مرة أخرى.

إن قصة هابي ليست قصة نجاح فردية فقط، بل هي أيضا لائحة اتهام أخلاقية وقانونية ضد كل تقصير في تطبيق القانون، وضد كل صمت يسمح باستمرار الإفلات من العقاب.

فالدولة التي تعلن رفضها للعبودية مطالبة بأن تثبت ذلك بالأفعال لا بالشعارات، وبالأحكام القضائية الرادعة لا بالخطب الرسمية، وبحماية الضحايا لا بتركهم يواجهون مصيرهم لوحدهم.

ستظل هابي شاهدة على أن الحرية يمكن أن تنتصر، لكنها ستظل أيضا شاهدة على أن العدالة لم تكتمل بعد.

وقصتها يجب أن تتحول إلى جرس إنذار وطني، يدفع الجميع، دولة وصحافة ومجتمعاً ومدافعين عن حقوق الإنسان، إلى الوقوف مع كل مظلوم، وكشف كل ظالم، حتى لا يبقى في موريتانيا إنسان يولد أو يعيش أو يموت وهو محروم من أبسط حق منحه الله له: الحرية والكرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى