لحراطين والبيظان… الهوية المشتركة بين التاريخ والسوسيولوجيا

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب صحفي مهتم بالشؤون الإجتماعية ، وحقوق الإنسان
medabd388@gmail
تعد قضية هوية لحراطين من أكثر القضايا تعقيدا في النقاش الفكري والسياسي الموريتاني، لأنها تتقاطع مع التاريخ والذاكرة والعدالة الاجتماعية ومفهوم المواطنة. وقد أدى تراكم المظالم التاريخية إلى بروز خطابات متعددة تحاول تعريف هذه الهوية؛ فمنها من يراها مجرد شريحة اجتماعية داخل مجتمع البيظان، ومنها من يعتبرها مكونا مستقلا ، بينما يذهب آخرون إلى اعتبارها قومية قائمة بذاتها.
غير أن المقاربة السوسيولوجية والأنثروبولوجية تقتضي التمييز بين الهوية الثقافية والهوية الاجتماعية والهوية القومية، فليست كل جماعة ذات خصوصية تاريخية أو اجتماعية تشكل بالضرورة قومية مستقلة. فالقومية، وفق الأدبيات الحديثة، تقوم على جملة من العناصر المتكاملة، من بينها الوعي الجماعي، واللغة المشتركة، والذاكرة التاريخية، والرموز الثقافية، وأحيانا المجال الجغرافي. أما الخصوصية الاجتماعية، فقد تنشأ داخل المجتمع نفسه دون أن تؤدي إلى انفصال هوياتي.
وفي هذا الإطار، تبدو تجربة لحراطين حالة اجتماعية وتاريخية خاصة داخل مجتمع الناطقين بالحسانية، وليست حالة منفصلة عنه. فقد تشكل هذا المجتمع عبر قرون من التفاعل بين العرب والأمازيغ والسكان ذوي الأصول البربرية والإفريقية، فأنتج فضاء ثقافيا ولغويا مشتركا أصبحت الحسانية عنوانه الأبرز. ولم تكن هذه الثقافة نتاج فئة واحدة، بل كانت حصيلة مساهمة جماعية شارك فيها الجميع، ومن بينهم لحراطين الذين أسهموا في الأدب والفن والموسيقى والاقتصاد والحياة الاجتماعية.
ومن هنا، فإن لحراطين والبيظان يشكلان معا مجتمع الناطقين بالحسانية، وهو مجتمع يصعب تفكيكه إلى هويات منفصلة، لأن عناصر الاندماج الثقافي واللغوي والتاريخي فيه أعمق بكثير من عناصر الاختلاف. فاللغة واحدة، والموروث الثقافي متداخل، والعلاقات الاجتماعية ممتدة عبر الزمن، وهو ما يجعل الفصل بين المجموعتين، من منظور علم الاجتماع، أمرا بالغ التعقيد.
ولا تنفرد موريتانيا بهذه الظاهرة؛ فداخل مجتمعات البولار والسونينكي والولوف أيضا نشأت فئات اجتماعية ذات أوضاع تاريخية مشابهة ، متمايزة، لكنها بقيت جزءا من مجتمعاتها اللغوية والثقافية، ولم تتحول إلى قوميات مستقلة. وهذا يؤكد أن وجود خصوصية اجتماعية لا يستلزم بالضرورة إنشاء هوية قومية منفصلة، بل يمكن أن يكون جزءا من التنوع الداخلي للمجتمع الواحد.
ومع ذلك، فإن التأكيد على وحدة الفضاء الثقافي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتجاهل المظالم التاريخية التي تعرض لها لحراطين. فالاعتراف بالتمييز الذي وقع، والعمل على إزالة آثاره، وترسيخ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص، يمثل شرطا أساسيا لبناء دولة المواطنة. فالعدالة لا تتحقق بإنكار التاريخ، كما أن معالجة آثار الماضي لا تستوجب إعادة إنتاج حدود هوياتية جديدة.
إن مستقبل موريتانيا لن يبنى على منطق الأغلبية والأقلية، ولا على ثنائية الغالب والمغلوب، وإنما على مشروع وطني يعترف بأن التنوع مصدر قوة لا سبب للانقسام. وفي هذا المشروع، يستطيع لحراطين أن يؤدوا دورا محوريا ، ليس باعتبارهم طرفا في صراع هوياتي، بل بوصفهم أحد أعمدة الهوية الموريتانية، وجسرا بين مختلف مكوناتها الثقافية والاجتماعية.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على صناعة هويات متقابلة، وإنما على بناء مواطنة تتسع للجميع، يكون معيارها الحقوق والواجبات والكفاءة، لا الأصل أو اللون أو الانتماء الاجتماعي. فكلما تعززت قيم العدالة والمساواة، تراجعت الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الضيقة، واقترب المجتمع من تحقيق مصالحة حقيقية مع تاريخه ومع ذاته.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن المجتمعات الأكثر استقرارا ليست تلك التي ألغت اختلافاتها، وإنما تلك التي نجحت في إدارتها داخل إطار وطني جامع. ولعل موريتانيا، بما تمتلكه من تاريخ مشترك وثقافة جامعة، قادرة على أن تجعل من تنوعها مصدرا للتماسك، لا سببا للتنازع، ومن ذاكرة الألم منطلقا لبناء مستقبل أكثر عدلا وإنصافا لجميع أبنائها.



